الصفحة 12 من 79

فتارة يظهر للرسول على صورته الحقيقية الملكية، وتارة يظهر على صورة إنسان يراه الحاضرون ويستمعون إليه، كما في حديث عمر الذي أخرجه مسلم: (( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر لا يُرَى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ... ) ) [1] .

وتارة يهبط على الرسول خفية فلا يرى، ولكن يظهر أثر التغير والانفعال على صاحب الرسالة، فيتصبب من جبينه العرق في اليوم الشديد البرد، وقد يكون وَقْعُ الوحي على الرسول كوقع الجرس إذا صلصل في أذن سامعه، وذلك أشد أنواعه، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( أحيانا يأتيني مثل صَلْصَلَة الجرس -وهو أَشَدُّهُ عليّ _ فَيَفْصِمُ عني وقد وَعَيْتُ عنه ما قال ) ) [2] . وربما سمع الحاضرون صوتًا عند وجه الرسول كأنه دوي النحل، لكنهم لا يفقهون كلامًا، أمّا -هو صلوات الله وسلامه عليه _ فإنه يسمع ويعي ما يوحى إليه، دون لبس ولا خفاء، ومن غير شك ولا ارتياب، فيجد ما أوحي به إليه حاضرًا في ذاكرته، كأنما كتب في قلبه [3] .

يتضح من هذه الأنواع أن الوحي حَدَثٌ مفاجئ طرأ على النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يتوقعه أو يتطلع إليه، كما زعمه بعض المستشرقين، حيث فاجأه الملك في غار حراء، وأخذ يعتصره بقوة حتى أجهده، فارتجف فؤاده

(1) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب وصف الإيمان والإسلام 1/ 36.

(2) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ص 1.

(3) محمد عبد العظيم الزرقاني، مناهل العرفان 1/ 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت