الصفحة 5 من 39

المبحث الثاني

حكم المطلق والمقيد ويشمل هذا الفصل على مطلبين:

المطلب الأول

حكم المطلق

اتفق العلماء على أن اللفظ إذا ورد مطلقًا في أي نص من النصوص الشرعية، فالأصل: العمل به على إطلاقه دون تغيير أو تأويل، إلا إذا ورد دليل على تقييده، وصفًا كان القيد أم شرطًا، زمانًا أم مكانًا أم غير ذلك، مما يصرفه عن إطلاقه أو يحدد من شيوعه في جنسه.

مثال ذلك:

1 -قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) [1] .

فلفظ (أزواجًا) مطلق، ولم يقم دليل على تقييده بالدخول أو عدمه، ولم يرد في نص آخر مقيدًا، فيجب العمل به على إطلاقه كما ورد، ومقتضى هذا أن الزوجة التي توفي عنها زوجها تجب عليها عدة الوفاة مطلقًا، أي سواء كان قد دخل بها قبل الوفاة أم لا، عملًا بإطلاق الآية الكريمة.

2 -قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) [2] .

دلت الآية الكريمة على تحريم أم الزوجة مطلقًا، أي سواء أدخل الزوج بالبنت أم لم يدخل بها، ولهذا قال العلماء: إن مجرد العقد على البنت يحرم الأم، ولا يشترط الدخول بالبنت لتحريم أمها؛ لأن النص جاء مطلقًا (وأمهات نسائكم) ولم يقترن بقيد لفظي زائد من مثل: (اللاتي دخلتم بهن) ، ولم يرد هذا النص المحرم لأمهات الزوجات مقيدًا في موضع آخر، فوجب إجراؤه على إطلاقه.

ومن المتفق عليه أيضًا بين العلماء أنه إذا قام الدليل على تقييد المطلق، بتأويله أو بصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه، أصبح مدلوله مقيدًا، وانتفى عنه ذلك الشيوع في أفراده.

مثال ذلك: قوله تعالى: (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أو دَيْنٍ) [3] .

فلفظ (وصية) مطلق يشمل القليل والكثير من التركة، بل يصدق عليها جميعها لو أوصى بها.

والأصل أن يجري هذا اللفظ على إطلاقه، لولا أن ورد من المشرع نفسه دليل على أن المراد بهذا الإطلاق التقييد بالثلث، فصرفه عن معناه الذي يدل عليه قطعًا [4] ، إلى ما دل عليه الدليل من التقييد بالثلث، وذلك

(1) سورة البقرة من الآية: 234.

(2) سورة النساء من الآية: 23.

(3) سورة النساء من الآية: 11.

(4) أي عند الحنفية الذين يقولون بأن المطلق نوع من الخاص، والخاص يدل على الحكم دلالة قطعية ما لم يصرفه دليل عن ذلك، وأما عند الشافعية الذين يقولون بأنه كالعام أو نوع منه فدلالته ظنية كدلالة العام عندهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت