بقوله - صلى الله عليه وسلم: «الثلث والثلث كثير» [1] ، فبينت السنة أن إطلاق الآية ليس مرادًا للشارع، بل المراد تقييد الوصية بالثلث.
المطلب الثاني
حكم المقيد
اتفق العلماء على أنه إذا ورد لفظ مقيد في نص تشريعي، فإنه يجب العمل به كما ورد، ولا يجوز بحال إلغاء القيد الوارد فيه، والعدول عنه إلى الإطلاق إلا إذا ورد دليل شرعي على إلغاء ذلك القيد.
مثال ذلك: أولًا: مثال المقيد الذي لم يقم دليل على إطلاقه:
صيام شهرين متتابعين في كفارة القتل الخطأ، وكفارة الظهار في قوله تعالى: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [2] ، وقوله تعالى: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) [3] .
فقد أوجب النص القرآني صوم الشهرين وقيدهما بأن يكونا متتابعين، وهكذا لا يكون من وجبت في حقه كفارة الصوم هذه مؤديًا ما وجب عليه، خارجًا عن العهدة إلا إذا صام شهرين متتابعين، فلا يجزئه عمومها متفرقين ولو فعل لم يخرج عن العهدة، واعتبر كأنه لم يكفر [4] .
ففي الكفارتين المذكورتين - كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار - ورد النص بقدر معلوم من المدة الزمنية مقيد بوصف التتابع، فيجب العمل بهذا القيد ما دام لم يثبت دليل يخرج المقيد إلى المطلق.
وكما لا يجوز الإخلال بالقدر المنصوص عليه وهو الشهران، فكذا لا يجوز الإخلال بالوصف الذي قيدا به وهو التتابع [5] .
وقد أوضح السرخسي - كما أسلفنا - بأن كل صوم في القرآن لم يذكره الله متتابعًا، فله أن يفرقه، وما ذكر متتابعًا فليس له أن يفرقه ثم قال - رحمه الله: «أما المذكور متتابعًا، فصوم كفارة القتل وكفارة الظهار، فإن النص ورد بقدر معلوم مقيد بوصف، وكما لا يجوز الإخلال بالقدر المنصور فكذا بالوصف المنصوص» [6] .
(1) اللؤلؤ والمرجان 2/ 163 كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، حديث رقم 1053، 1054، 1295، 4/ 434 كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث حديث رقم 2743، 2744، سنن ابن ماجه 2/ 904 حديث رقم 2708.
(2) سورة النساء من الآية: 92.
(3) سورة المجادلة من الآية: 4.
(4) تفسير القرطبي 3/ 1897، 9/ 6453.
(5) المبسوط 3/ 75، شرح فتح القدير والعناية على الهداية 4/ 101، 9/ 205.
(6) المبسوط 3/ 75.