الشرط الثالث:
إن يكون حمل المطلق على المقيد من باب الأمر والإثبات، أما إذا كانا في باب النفي أو النهي فلا يجوز حمل المطلق على المقيد؛ لأنه لا يلزم منه الإخلال باللفظ مع تناول النفي والنهي وهو غير سائغ ضرورة عموم النكرة المنفية.
مثال ذلك: أن يقول: لا تعتق مكاتبًا ويقول في موضع آخر: (لا تعتق مكاتبًا كافرًا) أو يقول: (لا يجزئ عتق مكاتب) ثم يقول: (لا يجزئ عتق مكاتب كافر) ، فإن المطلق والمقيد قد وردا في سياق النهي في المثال الأول، ووردا في سياق النفي في المثال الثاني ومن ثم فلا يحمل المطلق على المقيد فيهما، بل يجب إجراء المطلق على إطلاقه في المنع من العتق، فلا يعتق في المثالين لا كافرًا ولا مؤمنًا، إذ لو اعتق واحدًا منهما لم يعمل بهما.
وقد ذكر هذا الشرط بعض العلماء كالآمدي وابن الحاجب وغيرهم [1] ، قالا: «لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما، لعدم التعذر» [2] ، ومرادهما أنه يلزم من نفى المطلق نفي المقيد، فيمكن الجمع بينهما بأن لا يعتق لا مؤمنة ولا كافرة.
لكن صاحب المحصول سوى بين الأمر والنهي في الحمل، وتبعه الأصفهاني فقال: «حمل المطلق على المقيد لا يختص بالأمر والنهي، بل يجري في جميع أقسام الكلام، ففي المثال السابق يحمل المطلق على المقيد، ويكون المنهي عنه هو: إعتاق المكاتب الكافر» [3] .
وقد سبق لنا ذكر ذلك في الصورة الأولى من صور حمل المطلق على المقيد، ورجحنا فيها القول بالحمل.
الشرط الرابع:
إن لا يكون الحمل في جانب الإباحة، قال مجد الدين بن تيمية: «وإذا كانا إباحتين فهما في معنى النهيين، وكذلك إذا كانا كراهتين» [4] ، أي: أنهما في معنى النهيين لفظًا ومعنى، فلا يحمل المطلق على المقيد في جانب الإباحة؛ لأنه لا تعارض بينهما، والحمل إنما يكون عند التعارض.
وقال الزركشي: «ذكره ابن دقيق العيد، وقال: «إن المطلق لا يحمل على المقيد في جانب الإباحة إذ لا تعارض بينهما» [5] .
وذكر الزركشي وابن قاسم العبادي أن في قوله: «إن لا يكون: في إباحة؛ إذ لا تعارض فيها نظر؛ لأن التناول في الإباحة بقدر الإذن وقد تعارض فيه المطلق والمقيد، إذ الأول يدل على الإذن مطلقًا، والثاني يدل في حال دون حال» [6] .
(1) كابن دقيق العيد: فإنه اعتبره شرطًا هاهنا، وجعله أيضًا شرطًا في بناء الخاص على العام، إرشاد الفحل ص: 166.
(2) الإحكام للآمدي 2/ 164، مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 157.
(3) البحر المحيط 5/ 27، إرشاد الفحول ص: 166، نفائس الأصول 5/ 2166، نهاية السؤل للإسنوي 2/ 194.
(4) المسودة ص: 147، شرح الكوكب المنير 3/ 400.
(5) البحر المحيط 5/ 29، إرشاد الفحول ص: 166.
(6) البحر المحيط 5/ 29، الآيات البينات 3/ 128.