المبحث الثالث
شروط حمل المطلق على المقيد
لما كان حمل المطلق على المقيد عند كل من الجمهور والحنفية يعتمد على نوع من تأويل اللفظ وصرفه عن ظاهره المتبادر منه، فقد أحاط كل فريق رأيه بإطار من الاحتراس والدقة، فاشترطوا للحمل شروطًا لابد من توفرها عند إرادة حمل المطلق على المقيد، هذه الشروط بعضها متفق عليها بينهما، والبعض الآخر مختلف فيها بينهما.
وإليك بيان ذلك:
أولاص: الشروط المتفق عليها:
اشترط الأصوليون لحمل المطلق على المقيد عدة شروط:
الشرط الأول:
إن يكون المقيد من باب الصفات كالإيمان، مع ثبوت الذوات في كل من المطلق والمقيد، فأما في إثبات أصل الحكم من زيادة خارجة أو عدد، فلا يحمل المطلق على المقيد.
مثال ذلك: إيجاب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) [1] ، مع الاقتصار على عضوين في التيمم في قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [2] ، فإن الإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء، حتى يلزم التيمم في الأعضاء الأربعة، وذلك لأن في الحمل إثبات حكم لم يذكر، وحمل المطلق على المقيد يختص -كما ذكرنا- بالصفات [3] .
الشرط الثاني:
إن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد.
مثال ذلك: اشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والوصية، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها، فالعدالة شرط في الجميع.
وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله تعالى: (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أو دَيْنٍ) [4] ، وإطلاقه الميراث فيما أطلق فيه، فيكون ما أطلق من المواريث كلها مقيدًا بأن يكون بعد الوصية والدين [5] .
(1) سورة المائدة من الآية: 6.
(2) سورة المائدة من الآية: 6.
(3) البحر المحيط للزركشي 5/ 21، الآيات البينات 3/ 128، إرشاد الفحول ص: 166.
(4) سورة النساء من الآية: 12.
(5) البحر المحيط 5/ 22، إرشاد الفحول ص: 166.