الصفحة 33 من 39

المطلق سببًا تامًا في الوجوب؛ لمنع الاحتياج إلى سببية المقيد، ولكنه لم يمنع ذلك، ومن هنا ظهرت المنافاة بين تمامية السبب المطلق مع تمامية السبب المقيد، ودفعًا لتلك المنافاة ينبغي حمل المطلق على المقيد [1] .

الدليل الثالث:

إن الاحتياط في هذه الصورة هو: إبقاء المطلق على إطلاقه، ومراعاة الاحتياط في الأحكام الشرعية أولى وأحوط.

وجه الاحتياط: إنه عند إبقاء المطلق على إطلاقه تجب صدقة الفطر مع السبب المطلق ومع السبب المقيد، وأما عند الحمل: فلا تجب إلا مع السبب المقيد فقط، ووجوب الصدقة في الحالين أقرب إلى الاحتياط من وجوبها في حال واحدة [2] .

وأجيب عن ذلك: بأن قولكم هذا يكون مسلمًا لو لم يكن هناك دليل على التقييد من قبل الشارع، وأما عند وجود الدليل، وهو هنا: اتحاد الحكم والحادثة ومساندة الأدلة لأخرى السابقة لذلك، فلا مجال لاعتبار الاحتياط مع وجود الدليل.

الترجيح:

بعد عرض آراء العلماء وأدلتهم في هذه الصورة: أرى أن الرأي الراجح والأولى بالقبول في نظري هو رأي جمهور العلماء وهو: حمل المطلق على المقيد وذلك لأمرين:

الأول:

إن التنافي متحقق في هذه الصورة بين المطلق والمقيد؛ لأن زكاة الفطر في المثال السابق لا تجب بمقتضى النص المطلق عمن يمونه المسلم إلا إذا كان مسلمًا، على حين يوجبها النص المطلق عن جميع من يمونهم الشخص المسلم ولو كفارًا، وحسبنا هنا دليلًا على تحقق التنافي بين النصين أن المسلم مطالب على أحدهما بإخراج زكاة الفطر عن الكافر إذا كان يمونه، وليس مطالبًا على النص الآخر بإخراج هذه الزكاة عنه [3] .

الثاني:

إن القول بعدم حمل المطلق على المقيد، وجعل المقيد مبينًا له، يجعل ذكر القيد خاليًا عن الفائدة، ونصوص الشارع سبحانه وتعالى منزهة عن العبث.

الخلاصة:

ومما تقدم يمكن أن نبين مواطن الاتفاق والاختلاف بين العلماء في صور حمل المطلق على المقيد السابقة الذكر:

أولًا: مواطن الاتفاق:

(1) مسلم الثبوت 1/ 367.

(2) التقرير والتحبير 1/ 297.

(3) النسخ في القرآن الكريم للدكتور مصطفى زيد 1/ 153.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت