الصفحة 32 من 39

الدليل الخامس:

إن وحدة الكلام، وتفسير بعضه بعضًا يقتضي حمل المطلق على المقيد [1] .

واستدل الحنفية على عدم الحمل في هذه الصورة بالأدلة الآتية:

الدليل الأول:

بعموم قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن عمر - رضي الله عنهما: «ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر» [2] .

وجه الدلالة: إن لفظ «عبده» عام يشمل المسلم وغير المسلم.

وأيضًا فإن ابن عمر كان يخرج زكاة الفكر عن عبده الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث، مما يدل دلالة ظاهرة على عدم حمل المطلق على المقيد [3] .

وأجيب عن ذلك: إن حديث الباب خاص، والخاص يقضي على العام، فعموم قوله في «عبده» مخصوص بقوله: «من المسلمين» .

أما ما روي عن ابن عمر أنه كان زكاة الفطر عن عبده الكافر، فإنه لو صح فمحمول على أنه كان يخرج عنه تطوعًا، ولا مانع من ذلك [4] .

الدليل الثاني:

إن الإطلاق والتقييد قد دخلا على السبب، ولا منافاة ولا تعارض بين سببية المطلق والمقيد، فيمكن أن يكون المطلق سببًا والمقيد سببًا، ففي صدقه الفطر أحد النصين جعل الرأس مطلقًا سببًا، والآخر جعل رأس المسلم سببًا، ولا تنافى في الأسباب؛ إذ يجوز أن يكون لشيء واحد أسباب متعددة شرعًا وحسًا على سبيل البدل، كالملك مثلًا: فإن له عدة أسباب يثبت بكل منها على سبيل البدل، كالإرث، والهبة، والبيع، والشراء، وإحياء الموات، والمقتضى للحمل إنما هو تخيل المنافاة بين المطلق والمقيد، فإذا انتفت المنافاة بينهما وجب العمل بكل منهما على مقتضاه [5] .

وأجيب عن ذلك: بأن المنافاة بين سببية المطلق والمقيد متصورة؛ لأن معنى كون كل منهما سببًا أن يكون سببًا تامًا في وجوب صدقة الفطر، وتمامية السبب عدم الحاجة إلى سبب آخر، وبناء على ذلك: فلو كان

(1) تيسير التحرير 2/ 41.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي 7/ 56 باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه، وسنن الترمذي 3/ 15 حديث رقم 628، سنن أبي داود حديث رقم 1595، سنن ابن ماجه حديث رقم 18811، سبل السلام 2/ 592 حديث رقم 564، فتح الباري 3/ 434، نيل الأوطار 3/ 434، نصب الراية 2/ 356.

(3) فتح الباري 3/ 434، نيل الأوطار 4/ 181.

(4) فتح الباري 3/ 434، نيل الأوطار 4/ 181.

(5) التوضيح 1/ 63، فواتح الرحموت 1/ 366، أصول البزدوي وكشف الأسرار للبخاري 2/ 295، شرح المنار وحواشيه ص: 563، 562.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت