وإنما الخلاف بينهم جار فيما لو وجد كافر تلزم المسلم نفقته، كرقيقة مثلًا، هل تجب على المسلم زكاة الفطر عن عبده الكافر نظرًا للإطلاق الوارد في الرواية الثانية، أم لا تجب عليه لكونه كافرًا عملًا بمفهوم القيد الوارد في الرواية الأولى.
اختلف العلماء في هذه الصورة
1 -فذهب جمهور العلماء غير الحنفية: إلى حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة وأمثالها لاتحاد الحكم والواقعة فيها، وعليه فإنه لا تجب صدقة الفطر على المسلم عمن تلزمه نفقته من غير المسلمين، نظرًا للقيد الوارد في النص الأول وهو (من المسلمين) .
2 -وذهب الحنفية: إلى عدم حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، بل يبقى المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده لانتفاء التعارض بينهما، وعليه فإنه تجب صدقة الفطر على المسلم عن كل من تلزمه نفقته مؤمنًا كان أو كافرًا، نظرًا للإطلاق الوارد في النص الثاني.
استدل جمهور على حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة بالأدلة الآتية:
الدليل الأول:
إن التنافي واقع في هذه الصورة بين الإطلاق والتقييد؛ لأنهما وارادان أمر واحد -وهو اتحادهما في الموضوع والحكم - والأمر الواحد لا يجوز أن يكون مطلقًا ومقيدًا في آن واحد، ولهذا لابد من حمل المطلق على المقيد دفعًا لهذا التعارض، وجمعًا بين الدليلين.
الدليل الثاني:
إن المطلق ساكت عن القيد؛ إذ هو لا يثبته ولا ينفيه، والمقيد ناطق به ومبين له، وإذا تقابل النطق والسكوت، كان الناطق حريًا بأن يجعل أصلًا ويبني عليه الساكت؛ إذ هو كالمفسر له، فكان المقيد أولى بأن يبنى عليه المطلق ويكون مبينًا للمراد منه [1] .
الدليل الثالث:
إن الحكيم إنما يزيد في الكلام لزيادة في البيان، والقيد في المقيد زيادة على المطلق، فلا يحسن إلغاء تلك الزيادة، بل يجعل كأنه قالهما معًا، فيجب حمل المطلق على المقيد حتى يكون لذكر القيد فائدة صونا لكلام الشارع من العبث واللغو [2] .
الدليل الرابع:
إن موجب المقيد متيقن، وموجب المطلق محتمل والعمل بالمتيقن أولى من العمل بالمحتمل [3] .
(1) كشف الأسرار للبخاري 2/ 287، شرح المنار وحواشيه ص: 558.
(2) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص: 262.
(3) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص: 262.