المطلب الرابع
الصورة الرابعة
اختلاف المطلق والمقيد في الحكم والسبب
والإطلاق والتقييد في الحكم
في هذه الصورة لا يحمل المطلق على المقيد بالاتفاق بين العلماء، وإنما يعمل بكل منهما في موضعه الذي ورد فيه، وذلك لعدم التعارض، إذ لا ارتباط بينهما.
وقد حكى الإجماع على ذلك الغزالي والآمدي والشوكاني وغيرهم [1] .
مثال ذلك: قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [2] ، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [3] .
فإن لفظ «الأيدي» في الآية الأولى ورد مطلقًا عن التقييد بالمرافق، بينما ورد في الآية الثانية مقيدًا بذلك.
والحكم في الآيتيتن مختلف؛ لأنه في الأولى: وجوب قطع اليد، وفي الثانية وجوب غسل اليدين إلى المرفقين.
والموضوع مختلف؛ لأنه في الأولى: جريمة السرقة، وبيان حكمها الشرعي، وفي الثاني: الوضوء، وبيان كيفيته.
والسبب في كل من الحكمين مختلف أيضًا؛ لأنه في الأولى: السرقة وفي الثانية: القيام إلى الصلاة وإرادتها مع الحاجة إلى الطهارة.
وعلى هذا لا يحمل المطلق على المقيد باتفاق العلماء، نظرًا لعدم الارتباط بينهما، فلا تعارض إذن، فيعمل بكل واحد منهما في موضعه الذي ورد فيه [4] .
هذا وكان مقتضى ذلك أن تقطع يد السارق كلها عملًا بالإطلاق في آية السرقة، لكن هذا الإطلاق قد ورد في السنة ما يدل على تقييده بالكفين، وهو ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم: «قطع يد السارق من الرسغ» [5] .
واستدلوا على عدم حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة بأمرين:
(1) المنخول ص: 177، الإحكام للآمدي 2/ 162، إرشاد الفحول ص: 164، كشف الأسرار للبخاري 2/ 287.
(2) سورة المائدة من الآية: 38.
(3) سورة المائدة من الآية: 6.
(4) كشف الأسرار للبخاري 2/ 287، شرح المنار وحواشيه ص: 559، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب 2/ 156، الإحكام للآمدي 2/ 162، شرح الكوكب المنير 3/ 395، المعتمد 1/ 288.
(5) روى البيهقي والزيلعي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- (قطع يد سارق من المفصل) والمراد بالمفصل هنا كما ذكر البيهقي: مفصل الكف السنن الكبرى للبيهقي 8/ 270، 271، نصب الراية 3/ 280، تفسير القرطبي 3/ 2168.