المطلب الثالث
الصورة الثالثة
اتحاد المطلق والمقيد في السبب واختلافهما في الحكم
مع كون الإطلاق والتقييد في الحكم
اتفق العلماء على عدم حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة.
مثال ذلك: قوله تعالى في شأن الوضوء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) [1] .
وقوله تعالى في شأن التيمم: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) [2] .
فالحكم في النصين مختلف لأنه في الأول: وجوب الغسل بالماء، وفي الثاني: وجوب المسح بالصعيد الطيب.
والسبب فيهما متحد وهو: إرادة القيام إلى الصلاة مع الحاجة إلى الطهارة.
ولفظ الأيدي جاء في النص الأول مقيدًا بالمرافق، وجاء في النص الثاني مطلقًا عن هذا القيد.
فاجمع العلماء على عدم حمل المطلق على المقيد؛ لعدم التعارض بينهما، فيعمل بكل منهما كما ورد، دون تغيير [3] .
لكن قد علمت أن الحنفية والشافعية قد قيدوا الأيدي في آية التيمم بالمرافق، بدليل من السنة، أما المالكية والحنابلة فقد قيدوا الأيدي بالرسغين لما ثبت عندهم من السنة أيضًا كما قدمنا.
(1) سورة المائدة من الآية: 6.
(2) سورة المائدة من الآية: 6.
(3) ذكر الآمدي والعضد وصاحب فواتح الرحموت: إنه لا خلاف بين العلماء في امتناع حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة، سواء أكانا مأمورين أم منهيين، أحدهما مأمورًا والآخر منهيًا، وسواء اتحد سببهما أم اختلف لعدم المنافاة في الجمع بينهما، إلا في صورة واحدي وهي: ما إذا قال مثلا في كفارة الظهار: اعتقوا رقبة، ثم قال: (لا تملكوا رقبة كافرة) ، فإنه لا خلاف في مثل هذه الصورة أن المقيد يوجب تقييد الرقبة المطلقة بالرقبة المسلمة، وإن كان الظهارة والملك حكمين مختلفين اتفاقًا لتوقف الإعتاق على الملك وهذا واضح، راجع: الإحكام للآمدي 2/ 162، العضد على مختصر تبن الحاجب 2/ 156، فواتح الرحموت 1/ 361، كشف الأسرار للبخاري 2/ 287، شرح المنار وحواشيه ص: 559، روضة الناظر 2/ 197، إرشاد الفحول ص: 166.