الصفحة 26 من 39

الترجيح:

بعد عرض آراء العلماء في حمل المطلق على المقيد في صورة ما إذا اتحدا في الحكم واختلفا في السبب، وأدلة كل منهم ومناقشتها أرى أن ما ذهب إليه أصحاب الرأي القائل: «بحمل المطلق على المقيد إذا وجد القياس الصحيح» هو الرأي الأولى بالقبول والرجحان وذلك لما يأتي:

أولًا: إنه مما لا ريب فيه أن المقيد ناطق بالحكم والمطلق ساكت عنه، فالمقيد إذن أولى أن يكون بيانًا ما دام الحكم متحدًا وإن اختلف السبب.

وهذا ما رجحه الزنجاني حيث يقول في تعليله لحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة: «لأن الحكيم إنما يزيد في الكلام لزيادة في البيان، فلم يحسن إلغاء تلك الزيادة، بل يجعل كأنه قالهما معًا، ولأن موجب القيد متيقن وموجب المطلق محتمل» [1] .

ثانيًا: إن الأصل عدم الحمل، إلا إذا وجد المقتضى لذلك؛ لأن كل نص حجة قائمة بذاتها، فإذا اختلف السبب بين المطلق والمقيد فلا يحمل أحدهما على الآخر، إلا إذا وجد المقتضي، وهنا وجد المقتضي لذلك وهو المعنى الجامع بين المطلق والمقيد الذي هو مقصود الشارع.

ففي القتل الخطأ والظهار: الكفارة في كل منهما كفارة عن ذنب ارتكب، وقد أوجب الشارع الحكيم أن تكون الكفارة عتق رقبة مؤمنة في القتل الخطأ، والمعنى الذي من أجله كان ذلك - وهو تحرير رقاب المؤمنين عن قيد الرق- وهو الذي يتشوف الشارع إليه- متحقق أيضًا في الظهار، فوجب في كفارته أن يكون الحكم كذلك، وهو تحرير رقبة مؤمنة [2] .

ولهذا كان اتحاد الحكم بين المطلق والمقيد يقتضي كما يقول الشوكاني: «حصول التناسب بينهما بجهة الحمل، ولا نحتاج في مثل هذا الاستدلال البعيد، فالحق ما ذهب إليه القائلون بالحمل» [3] .

(1) تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص: 262.

(2) إرشاد الفحول ص: 165.

(3) إرشاد الفحول ص: 165.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت