أما السؤال عن حكم المطلق والمقيد، وهل يحمل المطلق على المقيد أم لا؟ فلا علاقة للنهي في الآية به - خاصة بعد أن تم الدين وانقطع الوحي- وإنما هو اجتهاد وتفقه في الدين حسب قواعد استنباط الأحكام عملًا بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ) [1] ، فإن هذه الآية صريحة في وجوب السؤال عما خفى حكمها، فلا يكون منهيا عنه كما يدعى الخصم [2] .
وأجيب عن الوجه الثاني: بأن المطلق هناك مقيد بتقييد الشارع، فهو ظاهر فلا ينافيه الآية، فإنه نهى عن السؤال عن المسكوت غير الظاهر [3] .
ورده صاحب «فواتح الرحموت» بأنه ليس بشيء؛ لأن المقيد لم يكن في زمان الإطلاق وكان مسكوتًا، فحمل المطلق على المقيد اعتبار للمسكوت غير الظاهر، وإعراض عن الظاهر والنص ينهى عنه.
الدليل الثاني:
ما روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما-: «أبهموا ما أبهم الله وابتعوا ما بين الله» [4] أي: اتركوه على إبهامه، والمطلق مبهم بالنسبة إلى المقيد المعين، فيكون المعنى: أطلقوا ما طلق الله تعالى ولا تقيدوا الحرية في أمهات النساء بالدخول بالبنات.
وهو قول عامة الصحابة في أمهات النساء لورودها مطلقة في قوله تعالى: (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) [5] .
قال عمر - رضي الله عنه: «أم المرأة مبهمة في كتاب الله تعالى فأبهموها- أي حال تحريمها- عن قيد الدخول الثابت في الربيبة فأطلقوها» ، وعليه انعقد إجماع من بعدهم [6] .
وأجيب عن ذلك: إن قول ابن عباس هذا لا يقوم حجة علينا؛ لأن قول الصحابي ليس بحجة في الفروع فضلًا عن الأصول.
وأيضًا: فإن تقييد المطلق لما كان بيانًا لم يبق المطلق مبهمًا، فلا يدخل تحت قول ابن عباس - رضي الله عنهما -.
وأما قولهم بانعقاد الإجماع على إطلاق أمهات النساء فيجاب عنه: بأن إجماع الصحابة على عدم حمل المطلق على المقيد في صورة لا يكون إجماعًا على الأصل الكلي لجواز أن يكون ذلك لدليل لاح لهم في هذه الصورة [7] .
(1) سورة النحل من الآية: 43.
(2) يقول القرطبي: (فإن قال قائل: ما ذكرتم من كراهية السؤال المنهي عنه يعارضه قوله تعالى:(فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ) فالجواب: إن هذا الذي أمر الله به عباده هو ما تقرر وثبت وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذي جاء فيه النهي هو ما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكر في كتاب، تفسير القرطبي 4/ 2331.
(3) فواتح الرحموت 1/ 363.
(4) تفسير القرطبي 3/ 1676، تفسير ابن كثير 1/ 470.
(5) سورة النساء من الآية: 23.
(6) كشف الأسرار للبخاري 2/ 291، التوضيح 1/ 64، 65، فواتح الرحموت 1/ 363.
(7) التلويح 1 م 65، فواتح الرحموت 1/ 363.