الصفحة 23 من 39

إن قوله: (أعتق رقبة) يقتضي تمكين المكلف من إعتاق أي رقبة شاء من رقاب الدنيا، فلو دلَّ القياس على أنه لا يجزئه إلا المؤمنة، لكان القياس دليلًا على زوال تلك المكنة الثابتة بالنص، فيكون القياس ناسخًاـ، وأنه خلاف الأصل [1] .

وأجيب عنه: بأنا لا نسلم أن زوال ذلك الحكم بطريق النسخ، بل هو عندنا بطريق التقييد، ولهذا كان الحكم كذلك أيضًا لو كان المطلق والمقيد مقترنين في الورود، أو كان المقيد متقدمًا، ولو كان ذلك بطريق النسخ لما كان كذلك فلم قلتم إنه ليس كذلك؟ أو أن ذلك غير جائز بالقياس [2] .

ثالثًا: أدلة القائلين بعدم حمل المطلق على المقيد:

استدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:

الدليل الأول:

إن الوصف في المطلق مسكوت عنه، والسؤال عن المسكوت عنه منهي عنه بقوله تعالى: (لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [3] .

ويستدل الحنفية بهذه الآية بوجهين:

الوجه الأول: إن المطلق يجري على إطلاقه، ولا يحمل على المقيد؛ لأن التقييد يوجب التغليظ والمساءة كما في بقرة بني إسرائيل [4] .

الوجه الثاني: إن ظاهر الآية دليل على أن العمل بالإطلاق واجب؛ لأن الوصف في المطلق مسكوت عنه، والسؤال عن المسكوت عنه منهي عنه بهذا النص، فكان العمل بالظاهر وهو الإطلاق واجب، وفي الرجوع إلى المقيد لنعرف حكم الطلق إقدام على هذا المنهي عنه لما فيه من ترك الإبهام فيما أبهم الله تعالى، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «دعوني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» [5] .

وأجيب عن الوجه الأول: بضعف الاستدلال بهذه الآية؛ لأنها تدل على وجوب التأدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين السؤال: وتنهي المسلمين عن أن يسألوا عن أشياء سكت الشارع عن بيان أحكامها؛ لئلا يؤدي سؤالهم عنها إلى تكليفهم بها، فيشق ذلك عليهم فيندموا على السؤال [6] .

(1) نفائس الأصول 5/ 2171، نهاية الوصول 5/ 1782.

(2) نهاية الوصول 5/ 1782.

(3) سورة المائدة من الآية: 101.

(4) التوضيح 1/ 64.

(5) فتح الباري 13/ 281 كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديث رقم 7288، كشف الأسرار للبخاري 2/ 291، فواتح الرحموت 1/ 363.

(6) فقد روى أنه لما نزلت هذه الآية: (وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) سورة آل عمران من الآية: 97، قالوا يا رسول الله: أفي كل عام؟ فسكت- فقالوا: أفي كل عام؟ فقال: لا ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لما استطعتم) فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) سورة المائدة الآية: 101. روى عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إن أعظم الناس جرمًا من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته) فتح الباري 8/ 130 كتاب التفسير. باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم 13/ 278 كتاب الاعتصام. باب ما يكره من كثرة السؤال حديث رق 7289، تفسير القرطبي 4/ 2327: 2332، تفسير ابن كثير 2/ 104: 106، صفوة التفاسير 2/ 368.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت