الصفحة 22 من 39

المؤمنة، وليس له دلالة على الكافرة أصلًا، والأصل عدم إجزاء تحرير رقبة عن كفارة القتل، وقد ثبت إجزاء المؤمنة بالنص، فبقى عدم إجزاء الكافرة على العدم الأصلي، فلا يكون حكمًا شرعيًا، ولابد في القياس من كون المعدى حكمًا شرعيًا [1] .

وأجيب عنه: إن المعدي في القياس حكم شرعي؛ لأن التخصيص دال عندنا - أي الشافعية- على نفي الحكم عن الموصوف بدون الوصف، فإنه لما قال: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) فلو لم يقل مؤمنة، لجاز تحرير الكافرة، فلما قال: (مُّؤْمِنَةٍ) لزم منه نفي تحرير الكافرة، فيكون النفي مدلول النص، فكان حكمًا شرعيًا [2] .

وردَّ ذلك: بأن النص أوجب تحرير المؤمنة ابتداء، وهو ساكت عن الكافرة؛ لأنه إذا كان في آخر الكلام ما يغير أوله، فصدر الكلام موقوف على الآخر، ويثبت حكم الصدر بعد التكلم بالمغير لئلا يلزم التناقض، فلا يكون إيجاب الرقبة ثم نفي الرقبة الكافرة بالنص المقيد، بل النص لإيجاب الرقبة المؤمنة ابتداء، فتكون الكافرة باقية على العدم الأصلي [3] .

الاعتراض الثاني:

إن حمل المطلق على المقيد بالقياس فيه إبطال لحكم شرعي ثابت بالنص المطلق، وهو إجزاء غير المقيد كالكافرة مثلًا [4] .

وأجيب عنه: بأن المطلق ساكت عن القيد غير متعرض له بالنفي ولا بالإثبات، فيكون المحل في حق الوصف خاليًا عن النص [5] .

وردَّ ذلك: بأن هذا ممنوع بل هو ناطق بالحكم في المحل سواء أوجد القيد أم لم يوجد، ومعنى قولهم: «إن المطلق غير متعرض للصفات لا بالنفي ولا بالإثبات» أنه لا يدل على أحدهما بالتعيين [6] .

الاعتراض الثالث:

(1) وهذا الخلاف يرجع إلى اختلافهم في مفهوم المخالفة فمن يعتد به يعتبره حكمًا شرعيًا، وذلك لأن قوله تعالى في كفارة الزهار: (فتحرير رقبة) يدل على إجزاء كل من الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة، وقوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (فتحرير رقبة مؤمنة) يدل بمنطوقة على إجزاء الرقبة المؤمنة، ويدل بمفهومه المخالف عندهم على عدم إجزاء الرقبة غير المؤمنة، لانتفاء القيد الذي قيد به الحكم في المنطوق. وعليه فقد تحقق التعارض بين النصين في الرقبة غير المؤمنة، إذ النص المطلق يدل على أنها تجزئ في الكفارة، والنص المقيد يدل على أنها لا تجزئ، فيجب حمل المطلق على المقيد، وعندها يشترط لتكون الرقبة مجزئة في كفارة الظهار وفي كفارة القتل الخطأ: أن تكون مؤمنة. أما الحنفية- وهم الذين ينكرون مفهوم المخالفة، فتقييد الرقبة في كفارة القتل الخطأ بوصف الإيمان، لا يجل عندهم على أن حكم ما عداها بخلافها، فالنص يدل على إجزاء الرقبة المؤمنة، ولكنه لا ينفي الجواز عن غير المؤمنة، بل هو ساكت عنها، فلا تنفي بين المطلق والمقيد، ولا داعي للحمل. وعليه فإن المفهوم عندهم لا يعتبر حكمًا شرعيًا بل عدم أصلي. راجع جواب الاعتراض السابق بالتوضيح 1/ 65.

(2) التوضيح 1/ 65.

(3) التوضيح 1/ 65.

(4) التلويح 1/ 65.

(5) المرجع السابق.

(6) المرجع السابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت