ثانيًا: أدلة القائلين بالحمل قياسًا:
استدل أصحاب هذا الرأي بالأدلة الآتية:
الدليل الأول:
إن اللفظ المطلق لا يزيد في الدلالة على اللفظ العام، وإذا جاز تخصيص العام بالقياس، فلأن يجوز تقييد المطلق به أولى [1] .
وفسره صدر الشريعة: بأن دلالة العام على الأفراد فوق دلالة المطلق عليها؛ لأن دلالة العام على الأفراد قصدية، ودلالة المطلق عليها ضمنية، والعام يخص بالقياس اتفاقًا بيننا وبينكم، فيجب أن يقيد المطلق بالقياس عندكم أيها الحنفية [2] .
واعترض عليه بأمرين:
الأول: إن العام لا يخص بالقياس عندنا مطلقًا، بل إنما يخص أولًا بدليل قطعي، وفي مسألة حمل المطلق على المقيد، لم يقيد المطلق بنص أو لا حتى يقيد ثانيًا بالقياس، بل الخلاف في تقييده ابتداء بالقياس، فلا يكون كتخصيص العام [3] .
والثاني: إن القتل من أعظم الكبائر، فيجوز أن يشترط في كفارته الإيمان، ولا يشترط فيما دونه، فإن تغليظ الكفارة بقدر غلظ الجناية [4] .
الدليل الثاني:
إنه إذا اقتضى القياس تقييد المطلق، بأن وجدت علة التقييد مشتركة بينهما، ككونهما من الكفارات [5] ، قيد المطلق حملًا على المقيد بالقياس عليه، إذا القياس دليل، وفي الحمل العمل بالمطلق والمقيد والقياس، وفي عدم الحمل يلزم ترك أحدهما مع ترك القياس، ومن المقرر أن إعمال جميع الأدلة أولى من إعمال بعضها وترك الآخر [6] .
واعترض عليه بما يأتي:
الاعتراض الأول:
إن حمل المطلق على المقيد بالقياس ليس تعدية للحكم الشرعي بل للعدم الأصلي وهو عدم إجزاء غير المقيد في صورة التقييد، وذلك لأن قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) يدل على إيجاب
(1) نفائس الأصول شرح المحصول 5/ 2171، نهاية الوصول 5/ 1782، التوضيح 1/ 66. ويقول ابن قدامة وابن بدران: يبنى المطلق على المقيد من جهة القياس، لأن تقييد المطلق كتخصيص العموم، وذلك جائز بالقياس الخاص، روضة الناظر، ونزهة الخاطر 2/ 194، 195.
(2) التوضيح 1/ 66.
(3) التوضيح والتلويح 1/ 66.
(4) التوضيح والتلويح 1/ 66.
(5) أي كاشتراك كفارة الظهار، وكفارة القتل الخطأ في خلاص الرقبة المؤمنة عن قيد الرق لتشوف الشارع إليه.
(6) شرح البدخشي ونهاية السؤل للإسنوي 2/ 192، 195، نهاية الوصول للصفي الهندي 5/ 1781.