ثانيًا: إن قولكم هذا يلزم منه التناقض، فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار حيث قال: (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) [1] ، وبالتفريق في الحج حيث قال: (فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) [2] ، ومطلق في اليمين، فعلى أي المقيدين يحمل.
الدليل الثالث:
إن أهل اللغة يتركون التقييد في كل موع اكتفاء بذكره في موضع، كقوله تعالى: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ) ، أي: وحافظاتها والذاكراته كثيرا.
وكقول الشاعر:
نحن عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
أي: نحن بما عندنا راضون [3] .
وأجيب عن ذلك: بمنع أنه من غير دليل، بل دليله العطف وعدم الاستقلال في قوله تعالى: (وَالْحَافِظَاتِ .... وَالذَّاكِرَاتِ) فإنه معطوف على قوله: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا) ولا استقلال له بنفسه، فلو لم يكن محمولًا عليه ومشاركًا له في حكمه للغا، وكلام الله تعالى يصان عن ذلك، بل كلام العقلاء [4] .
الدليل الرابع:
إن المطلق من باب الشهادة نحو قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ) [5] ، محمول على المقيد في قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) [6] ، ولذلك اعتبرت العدالة في شهود المداينة مع إطلاق النص منها، فكذا هنا، والجامع تقديم المقيد الذي هو كالخاص على المطلق الذي هو كالعام [7] .
وأجيب عن ذلك: بأنا لا نسلم أن ذلك التقييد بحسب اللفظ من غير دليل، بل دليله النص والإجماع، وهو قوله تعالى: (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) [8] ، والقياس على الموضع الذي نص فيه على العدالة بجامع حصول الثقة بقولهم [9] ، وعليه فإن شرط العدالة في كل الشهادات كان بدليل اقتضى ذلك [10] .
(1) سورة المجادلة من الآية: 4.
(2) سورة البقرة من الآية: 96.
(3) روضة الناظر ونزهة الحاضر 2/ 196، الإحكام للآمدي 2/ 164.
(4) كشف الأسرار للبخاري 2/ 288، العدة في أصول الفقه 2/ 946، نهاية الوصول للصفي الهندي 5/ 1784، بذل النظر في الأصول ص: 267.
(5) سورة البقرة من الآية: 282.
(6) سورة الطلاق من الآية: 2.
(7) يقول الإسنوي: إن الشهادة لما قيدت بالعدالة مرة واحدة، وأطلقت في سائر الصور، حملنا المطلق على المقيد، نهاية السؤل للإسنوي 2/ 195، نفائس الأصول 5/ 207، نهاية الوصول 5/ 1783، 1784، شرح تنقيح الفصول ص: 267، 268، إرشاد الفحول ص: 165.
(8) سورة الحجرات من الآية: 6.
(9) نهاية السؤل للإسنوي 2/ 195، نفائس الأصول 5/ 2170، نهاية الوصول 5/ 1783، 1784، شرح تنقيح الفصول ص: 267، 268، إرشاد الفحول ص: 165.
(10) بذل النظر في الأصول للأسمندي ص: 266.