ذلك، لا سيما أن قاعدة الشرع اختلاف الآثار مع اختلاف المؤثرات، واختلاف العقوبات إذا اختلفت الجنايات، والجوابر إذا اختلفت المجبورات [1] .
الدليل الثاني:
إن كلام الله واحد، فلا يختلف إطلاقًا وتقييدًا، بل يفسر بعضه بعضًا، فإذا وردت كلمة في القرآن مبينة حكمًا من أحكامه، فلابد أن يكون الحكم واحدًا في كل موضوع تذكر فيه هذه الكلمة، فإذا نص على الإيمان في كفارة القتل، لزم الإيمان في كفارة الظهار أيضًا، كأن القيد متصل به كذلك؛ لئلا يكون هناك تخالف بين النصوص الواردة في حكم واحد [2] .
وأجيب عن ذلك:
أولًا: بأنكم إن ادعيتم أن القرآن كالكلمة الواحدة في أنه لا تناقض به: فهذا مسلم، ومعلوم أن الاختلاف في الإطلاق والتقييد لا يستلزم ذلك، فلا يوجب ذلك تقييد البعض بالبعض.
وإن ادعيتم أنه كالكلمة الواحدة في كل شيء: فهذا ممنوع، وكيف يمكن ادعاؤه مع اختلافه في العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والأمر والنهي، وغير ذلك من الاختلافات [3] .
يقول القرافي: «إن القرآن كالكلمة الواحدة باعتبار عدم التناقض، لا باعتبار الأحكام، بل هو مختلف قطعًا، فبعضه خبر، وبعضه حكم، وبعضه أمر وبعضه نهي، إلى غير ذلك من التنوعات» [4] .
ويقول الآمدي: «إن كلام الله تعالى وإن كان واحدًا لا تعدد فيه، غير أن تعلقه بالمتعلقات مختلف باختلاف المتعلق، ولا يلزم من تعلقه بأحد المختلفين بالإطلاق والتقييد، أو العموم والخصوص، أو غير ذلك، أن يكون متعلقًا بالآخر، وإلا كان أمره ونهيه ببعض المختلفات أمرًا ونهيًا بباقي المختلفات، وهو محال متناقض» [5] .
ولهذا كان إمام الحرمين شديد الوطأة على من احتجوا بوحدة كلام الله تعالى على حمل المطلق على المقيد هاهنا، واعتبر كلامهم من الهذيان، فادعاء الوحدة مع الأحكام المتغايرة أمر غير مقبول [6] .
(1) شرح تنقيح الفصول ص: 267.
(2) مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 157، نهاية السؤل للإسنوي 2/ 195، الإحكام للآمدي 2/ 164، إحكام الفصول في أحكام الوصول 1/ 194، شرح تنقيح الفصول ص: 267، نفائس الأصول 5/ 2170، تيسير التحرير 2/ 40، كشف الأسرار للبخاري 2/ 288، البرهان 1/ 433.
(3) نهاية الأصول للصفي 5/ 1785، بذلك النظر في الأصول للأسمندي ص: 266.
(4) شرح تنقيح الفصول ص: 268.
(5) الإحكام للآمدي 2/ 164.
(6) البرهان 1/ 435، فقرة 337.