الصفحة 18 من 39

وهو رأي الحنفية [1] ، وأكثر المالكية [2] ، وبعض الحنابلة [3] .

مثال ذلك: قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) [4] ، وقوله تعالى في كفارة الظهار: (وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا) [5] .

فإن الرقبة المطلوب تحريرها وردت في النص الأول: مقيدة بالإيمان، أما في النص الثاني: فقد وردت مطلقة عن هذا القيد، والحكم في كفارة القتل الخطأ، وكفارة الظهار متحد وهو: تحرير الرقبة، ولكن السبب في الحكم مختلف، فهو في الأول: القتل الخطأ، وفي الثاني: الرجوع في الظهار.

فالحنفية: لا يحملون المطلق على المقيد في النصين، ويوجبون العمل بكل منهما حيث ورد، ففي كفارة الظهار يجزئ الرقبة الكافرة، عملًا بالمطلق الوارد في شأنها وهو قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) ، أما في كفارة القتل الخطأ: فلا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة، عمل بالقيد الوارد في شأنها وهو قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ) [6] .

أما القائلون بحمل المطلق على المقيد، فاعتبروا أن آية القتل الخطأ قد قيدت إطلاق آية الظهار، ففي كلا الكفارتين: كفارة القتل الخطأ وكفارة الظهار لا تجزئ إلا الرقبة المؤمنة [7] .

وإليك أدلة الآراء السابقة:

أولًا: أدلة الرأي الأول القائل بالحمل مطلقًا.

استدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:

الدليل الأول:

إن المطلق في ضمن المقيد، فإن الرقبة المؤمنة رقبة مع قيد، والثابت مع قيد ثابت قطعًا، فالآتي بالقيد عامل بالدليلين قطعًا، فيكون أرجع فيجب المصير إليه [8] .

وأجيب عنه: بأنا نسلم إن المطلق في ضمن المقيد، ولكن التقدير أن السبب مختلف، فلعل القتل لعظم مفسدته يقتضي زيادة الزاجر أو الجابر، فيغلظ عليه باشتراط الإيمان، والظهار لخفة مفسدته لا يشترط فيه

(1) التقرير والتحبير 1/ 296، تيسير التحرير 2/ 40، كشف الأسرار للبخاري 2/ 287، فواتح الرحموت 1/ 365، شرح المنار وحواشيه ص: 559.

(2) قال القرافي: لا يحمل المطلق على المقيد عند أكثر أصحابنا والحنفية خلافًا لأكثر الشافعية. شرح تنقيح الفصول ص: 266.

وقال الزركشي والشوكاني: وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أكثر المالكية (البحر المحيط 5/ 18، إرشاد الفحول ص: 165) .

(3) حكاه ابن النجار والقاضي أبو يعلى في الرواية الثانية عن الإمام أحمد، وهو اختيار أبي إسحاق بن شاقلا.

راجع: شرح الكوكب المنير 3/ 403، العدة في أصول الفقه 2/ 638، 639.

(4) سورة النساء من الآية: 92.

(5) سورة المجادلة من الآية: 3.

(6) تيسير التحرير 2/ 40، التلويح على التوضيح 1/ 64، كشف الأسرار للبخاري 2/ 287.

(7) البحر المحيط 5/ 13، جمع الجوامع 2/ 51، الإحكام للآمدي 2/ 163.

(8) شرح تنقيح الفصول ص: 267.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت