الصفحة 14 من 39

فجعلوا حديث عمار بيانًا للآية الكريمة، فيكون مقيدًا لإطلاق الأيدي فيها [1] .

وهكذا نرى أن الاختلاف في القدر المطلوب بمسح اليدين في التيمم لم يكن لاختلافهم في حمل المطلق على المقيد، بل لاختلافهم في الحديث الذي يقيد إطلاق الآية.

فالفريقان حملوا المطلق على المقيد، ولكن كل منهما قيد الإطلاق بالنص الذي ثبت عنده من السنة.

ومثاله أيضًا: قوله تعالى في كفارة اليمين: (فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) [2] ، فإن الصيام ورد في هذا النص مطلقًا عن التقييد بالتتابع، في قراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) [3] ، والحكم في النصين واحد: وهو وجوب الصيام عند العجز عن العتق والإطعام، كما أن السبب فيهما واحد: وهو الحنث في اليمين وعدم الوفاء بموجبها، فيحمل المطلق على المقيد، ويكون المطلوب هو: الصيام المتتابع لا المفرق، ومقتضى ذلك أن يكون التتابع شرطًا في الصيام الواجب في كفارة اليمين.

وهذا ما ذهب ليه الحنفية الذين يرون جواز الاحتجاج بغير المتواتر من القرآن الكريم، ويجعلونه من قبيل السنة، خلافًا لغيرهم من الفقهاء الذين لا يرون الاحتجاج بغير المتواتر من القرآن؛ لأنه ليس قرآنا بالاتفاق لعدم التواتر، وليس من قبيل السنة عندهم، وإذا لم يكن قرآنا ولا سنة فلا يصح الاحتجاج به في استنباط الأحكام [4] .

ب- وإذا كانا - أي المطلق والمقيد- نهيين أو نفيين نحو: (لا تعتق مكاتبًا) ، (لا تعتق مكتبًا كافرًا) أو (لا تكفر بعتق كافر) (ولا تجزئ رقبة) ، (لا تجزئ رقبة كافرة) ، فالصحيح حمل المطلق على المقيد، عند من يقول بحجية المفهوم [5] ، لأن قوله: (لا تعتق مكاتبا) ، و (لا تجزئ رقبة) مطلقًا، تقيد بمفهوم قوله: (لا تعتق مكاتبًا كافرًا، ولا تجزئ رقبة كافرة) ، وهذا بناء على أصله وهو: إن التخصيص بالمفهوم جائز، فيقتضي ذلك تخصيص النهي العام بالكفارة؛ لأن النهي الثاني عنده يدل على إجزاء المسلمة، لأنه مختص بالنهي عن الكافرة، وهو بمفهومه يدل على إجزاء المسلمة.

أما من لم يقل بالمفهوم كالحنفية فإنهم يعملون بالإطلاق، ويمنعون إعتاق المكاتب مطلقًا، حيث لا يخص النهي العام بالمفهوم عندهم إذ لا موجب لذلك [6] ، كما صرح به الآمدي وابن الحاجب: يقول الآمدي: «وأما

(1) حاشية الدسوقي 1/ 155، 158، وقال ابن راشد: المشهور في المذهب هو المسح إلى المرفقين، والاستحباب إلى المرفقين، بداية المجتهد 1/ 54، 53، المغني لابن قدامة 1/ 332، 333.

(2) سورة المائدة من الآية 89.

(3) انظر: مصنف عبد الرازق 8/ 513، 514 رقم 16102، السنن الكبرى للبيهقي 10/ 60.

(4) أصول الفقه زكي الدين شعبان ص: 306، الهداية 2/ 56، يقول ابن الهمام: إن قراءة ابن مسعود كالخبر المشهور لشهرتها -على ما قيل- إلى زمن أبي حنيفة، والخبر المشهور يجوز تقييد النص القاطع به، فيفيد ذلك المطلق به، شرح فتح القدير 4/ 266.

(5) أي بحجة مفهوم الصفة، نهاية السؤل للإسنوي 2/ 194.

(6) الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 201، نهاية الوصول للصفي الهندي 5/ 1778.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت