وكذلك إذا كان أحدهما أمرًا، والآخر نهيًا، أو العكس نحو: إن ظاهرت فأعتق رقبة، ولا تملك رقبة كافرة، فقد اتفق العلماء أيضًا على ضرورة حمل المطلق على المقيد، فلابد من التقييد بنفي الكفر، لاستحالة إعتاق الرقبة الكافرة [1] .
ومن أمثلة الإثبات قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُم مَّرْضَى أو عَلَى سَفَرٍ أو جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّن الْغَائِطِ أو لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيِكُمْ منه) [2] .
وقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بيانه للتيمم فيما رواه ابن عمر وجابر: «التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» [3] .
فالأيدي وردت في الآية الكريمة مطلقة عن القيد، ثم جاءت في الحديث مقيدة بالمرفقين، والحكم في النصين واحد: وهو وجوب المسح، والسبب واحد: وهو الحدث وإرادة الصلاة، فجعل المقيد بيانًا للمطلق وحمل المطلق عليه، فكان الواجب في التيمم مسح اليدين إلى المرفقين، وذلك ما ذهب إليه الحنفية والشافعية [4] .
أما المالكية والحنابلة: فلا يوجبون المسح إلى المرفقين، وإنما يكتفون بالمسح إلى الرسغين، وقولهم هذا ليس لأنهم لا يحملون المطلق على المقيد في هذه الصورة، بل لأن الذي صح عندهم من السنة هو ما رواه عمار أنه جاء رجل إلى عمر بن الخطاب، فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أنا كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت فصليت، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما كان يكفيك هكذا فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه» [5] .
وفي رواية: «يكفيك الوجه والكفان» [6] .
وفي رواية: «إنما كان يكفيك أن تضرب بكفيك التراب، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك إلى الرسغين» [7] .
(1) وذلك لأن النهي عن عتق ما عدا الرقبة المقيدة بالإيمان في الثاني، مع الأمر بعتق رقبة مطلقة في الأول: يوجب تقييد المعتقة بالمؤمنة ضرورة أن العتق لا يكون إلا في الملك، وقد فرض نهيه عن عتق الكافرة، فيكون مأمورًا بعتق المؤمنة الإحكام للآمدي 2/ 163، شرح الكوكب المنير 3/ 401، 396، تيسير التحرير 2/ 36، التقرير والتحبير 1، 294، نهاية الوصول للهندي 5/ 1773، 1778، الإبهاج في شرح المنهاج 2/ 200، 201، مختصر ابن الحاجب والعضد 2/ 155، 156 شرح البدخشي 2/ 192، 191، غاية الوصول ص: 82، التلويح 1/ 64، فواتح الرحموت 1/ 361.
(2) سورة المائدة من الآية: 6، وسورة النساء من الآية: 43 لكن دون منه.
(3) رواه الدارقطني، وصحح الأئمة وقفه. سبل السلام 1/ 141، نيل الأوطار 1/ 263، نصب الراية 1/ 140.
(4) بذل النظر في الأصول ص: 26، المبسوط 1/ 150، مغني المحتاج 1/ 139.
(5) اللؤلؤ والمرجان 1/ 76 حديث رقم 208، فتح الباري 1/ 258 حديث رقم 338، 341، سنن ابن ماجه 1/ 188 كتاب الطهارة باب ما جاء في التيمم ضربة واحدة حديث رقم 569.
(6) اللؤلؤ والمرجان 1/ 76 حديث رقم 208، فتح الباري 1/ 258 حديث رقم 338، 341، سنن ابن ماجه 1/ 188 كتاب الطهارة باب ما جاء في التيمم ضربة واحدة حديث رقم 569.
(7) نيل الأوطار 1/ 264.