المطلب الأول
الصورة الأولى
اتحاد المطلق والمقيد في الحكم والسبب
والإطلاق والتقييد في الحكم
المراد بالسبب هنا: الموضوع الذي من أجله شرع الحكم، وفي هذه الصورة يتحد النصان في الحكم والسبب، ويرد الإطلاق والتقييد على الحكم وحده، دون الموضوع الذي هو سبب الحكم.
وقد حكى اتفاق العلماء على حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة الشوكاني، والزركشي، وعبد العزيز البخاري، والغزالي، والفخر الرازي، وابن بدران الدمشقي وغيرهم [1] . سواء أكان المطلق والمقيد مثبتين أم منفيين، أو أحدهما مثبتًا والآخر منفيًا والعكس [2] .
وعللوا ذلك: بأن الاختلاف بالطلاق والتقييد لا يتصور، فإن مقتضى الإطلاق تحقق الامتثال بأي فرد من أفراد المطلق، ومقتضى التقييد أن الامتثال لا يتحقق إلا بالمقيد، وهذا تناف لا يتأتى مع اتحاد الحكم والسبب.
ولأن العمل بالمقيد عمل بالمطلق دون العكس، ضرورة أن المطلق جزء من المقيد، والآتي بالكل آت بالجزء، فيكون العمل بالمقيد عملًا بالدليلين.
وأما العمل بالمطلق، فليس عملًا بالمقيد؛ لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيًا بالكل، بل يكون تاركًا له، فيكون العمل بالمطلق يستلزم الترك بأحد الدليلين بالكلية، فإذا كان الجمع ين الدليلين واجبًا حيث إنه يستلزم الترك بأحد الدليلين بالكلية، أو يستلزم الترك بشيء من مدلولات لفظ أحدهما، فلأن يجب ذلك حيث لا يستلزم ذلك بطريق الأولى [3] .
بينما ذهب فريق من العلماء إلى أن هناك فرقًا بين ما إذا كان المطلق والمقيد مثبتين أو منفيين.
أ- فإن كانا مثبتين أو في معنى المثبت كالأمر نحو: تجزئ في الكفارة رقية، ثم قال: تجزئ رقبة مؤمنة، وأعتق في الظهار رقبة، ثم قال: أعتق رقبة مؤمنة.
فقد اتفق العلماء على أنه يحمل المطلق على المقيد.
(1) كالقرافي في تنقيح الفصول ص: 266، 267، ومنلا خسرو في المرآة ص: 83، وابن ملك في شرح المنار ص: 559، 561، والإسنوي عن البيضاوي في نهاية السؤل 2/ 193، 194.
(2) إرشاد الفحول ص: 164، البحر المحيط 5/ 10: 13، كشف الأسرار للبخاري 2/ 287، المستصفى 2/ 185، نفائس الأصول شرح المحصول 5/ 2162، 2163، نزهة الخاطر العاطر 2/ 192، 193.
(3) نهاية الوصول للصفي الهندي 5/ 1775.