إن كان دالا على نفيها أو نهي عنهما، كما لو قال في كفارة الظهار: «لا تعتق مكاتبًا كافرًا» فهذا مما لا خلاف في العمل بمدلولها، والجمع بينهما في النفي؛ إذ لا يعذر فيه» [1] ، أي: فلا يلزم من نفى المطلق نفي المقيد، فيمكن العمل بهما ولا يلزم من ثبوت المطلق ثبوت المقيد.
ويقول ابن الحاجب: «وإن كانا منفين عمل بهما، مثل: «لا تعتق مكاتبًا» ، «لا تعتق كافرًا» [2] »، وحاصله: إنه لا يعتق مكاتبًا مؤمنًا أيضًا، إذ لو أعتقه لم يعمل به، وصرح به أبو الحسين البصري في المعتمد، وعلله: بأن قوله: «لا تعتق مكاتبًا» عام، والمكاتب الذمي فرد من أفراده، وذكره لا يقتضي التخصيص [3] .
ويقول ابن الهمام: «إن اتحاد حال كونهما منفيين نحو: لا تعتق رقبة لا تعتق رقبة كافرة، فمن باب آخر، أي من باب إفراد فرد من العام بحكم وليس بتخصيص للعام على المختار، لا من باب المطلق والمقيد» [4] .
وبعد: فإنه يتضح لنا مما سبق أن رأي القائلين بوجوب حمل المطلق على المقيد في هذه الصورة سواء أكانا مثبتين أم منفيين هو الأولى بالقبول.
وهذا ما رجحه صاحب «فواتح الرحموت» عند مناقشته رأى القائلين بالفرق بين كونهما مثبتين أو منفيين [5] .
ومن أمثلة ذلك: قوله - صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بشهود» [6] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» [7] .
فالشافعية يحملون المطلق على المقيد، فيشترطون عدالة الشهود [8] ، أما الحنفية فإنهم يأخذون المطلق على إطلاقه من غير تقييد، فلا يشترطون عدالة الشهود في النكاح، وبهذا خالفوا قاعدتهم من غير وجه صحيح [9] .
قال في «الكفاية» : «وقيد العدالة في الحديث الثاني، وأطلق في الأول، فيعمل بالمطلق والمقيد ولا نحمله على المقيد؛ لأنه نكر العدالة في موضع الإثبات فيقتضي عدالة ما وذا من حيث الاعتقاد، وهذا لأن العدالة ضد الظلم، والشرك ظلم عظيم لقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [10] ، فكان الإيمان عدلًا، فاستقامت الإضافة إليه، أو نقول المراد بشاهدي عدل قائلًا كلمة عدل، وهي كلمة التوحيد» [11] .
(1) الإحكام للآمدي 2/ 163.
(2) مختصر المنتهى لابن الحاجب 2/ 156.
(3) نهاية السؤل للإسنوي 2/ 194، المعتمد 1/ 289.
(4) تيسير التحرير 2/ 36، التقرير والتحبير 1/ 294، فواتح الرحموت 1/ 361.
(5) فواتح الرحموت 1/ 362.
(6) نصب الراية 3/ 167، كنوز الحقائق في خير الخلائق للمناوي 2/ 500 مع مختصر شرح الجامع الصغير له.
(7) نصب الراية 3/ 167، 199 كتاب النكاح، السنن الكبرى للبيهقي 7/ 125، 126.
(8) المستصفي للغزالي 2/ 185، نهاية المحتاج 3/ 185: 188.
(9) نيل الأوطار 1/ 264.
(10) سورة لقمان من الآية: 13.
(11) الكفاية على الهداية 3/ 112.