فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 21

ثم عليه أن لا يحابي بها، و أن يقدم من علمه أشد حاجة، فإن كان أقاربه من أهلها فهم أولى من الأباعد مع الاستواء في الحاجة؛ و لأنه ورد في الحديث:"صدقتك على الفقير صدقة، و على ذي الرحم اثنتان: صدقة و صلة". و لا يجوز لمن تلزمه مؤنته كزكاة المال.

نقل زكاة الفطر من بلد الشخص إلى بلد آخر:

لا يجوز ذلك إلا إذا لم يوجد في البلد فقراء، و قد ذكر العلماء أنها تتبع البدن، فيخرجها في البلد الذي تدركه ليلة العيد و هو فيه، و لو كان سكنه و أهله في غيره، كمن يصوم آخر الشهر بمكة، فإنه يخرجها هناك، و أهله يخرجون عن أنفسهم في موضعهم الذي يوجدون فيه ليلة الفطر، فإن لم يوجد في بلده فقراء من أهلها، و عرف فقراء في بلد آخر جاز نقلها إلى أقرب بلدة يعرف فيها من هم من أهل الاستحقاق، و قيل: يجوز إلى أبعد منها إذا كانوا اشد حاجة أولهم رحم و قرابة.

وقت إخراج زكاة الفطر:

لا شك أنها تجب بغروب الشمس ليلة عيد الفطر، فمن أسلم بعده لم تلزمه الفطرة، و من ولد بعد الغروب لم تجب على وليه، و إذا تزوج بعد الغروب و تسلم زوجته لم تلزمه فطرتها، و كذا لو اشترى عبدًا بعد خروج شهر رمضان و لو بلحظات؛ فإن فطرته على البائع.

و الأصل أنها تخرج ليلة العيد، و الأفضل إخراجها في يوم العيد قبل الصلاة، فإن عرف الفقير فأوصلها إليه فهو الأفضل، و إلا أودعها له حتى يأخذها بعد الصلاة، ليتحقق إغناء الفقراء في يوم العيد، و وقع في حديث ابن عمر عند البخاري:"و أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة". و لمسلم:"أمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى الصلاة". و لابن أبي شيبة عن ابن عباس قال:"من السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة".

و قال الخرقي: و إن قدمها قبل ذلك بيوم أو يومين أجزأه. و في حديث ابن عمر في الصحيح:"و كانوا يعطون قبل العيد بيوم أو يومين".

و الصحيح أنها لا تجزئ إن قدمها قبل العيد بثلاث ليال فأكثر، لإضافتها إلى الفطر، و لأن تقديمها بكثير لا يحصل به التوسعة على الفقير في يوم العيد، و اغتفر التقديم بيوم أو يومين لأن ما قرب من الشيء أعطي حكمه، و لو قيل بجواز التقديم إذا كان الفقراء قليلًا و أهل الزكاة كثير، بحيث يجتمع عند الفقير ما يقوته نصف العام، كما هو الواقع في كثيرًا من البلاد، لجاز ذلك في الظاهر، لحصول الإغناء لهم يوم العيد و زيادة.

الفصل الثامن

أحكام العيدين

(عيد الفطر و عيد الأضحى)

أعياد المسلمين و حكم الاحتفال و التهنئة بأعياد الكفار:

العيد: اسم لما يعود و يتكرر، إما بعود الأسبوع أو الشهر أو السنة، من الاجتماع العام على وجه مخصوص، و أكثر ما يطلق على أيام الفرح و السرور و الأنبساط، و لهذا يقول بعض السلف:"كل يوم يمر بك و أنت في طاعة و عباده فهو لك عيد".

و في ذلك يقول بعضهم شعرًا:

عيدي مقيم و عيد الناس منصرف ... و القلب مني عن اللذات منحرف

و لي قرينان مالي منهما خلف ... طول الحنين و عين دمعها يكف

فأعياد المسلمين ثلاثة:

* عيد يتكرر كل أسبوع و هو يوم الجمعة.

* و عيد يحتفلون بعد إكمال صومهم.

* و عيد وقت موسم حجهم و نسكهم.

فشرع الله لهم بعد إكمال صلاتهم المكتوبة سبعة أيام أن يكون السابع يوم الجمعة، و هو عيد لهم، و لكنه يوم عبادة يجتمعون فيه و يؤدون فيه صلاة خاصة، تجمع أهل البلد كلهم، و فيه يستمعون إلى الخطب و النصائح و المواعظ، و يلتقي بعضهم ببعض، و يتبادلون التحية و السلام، و يتفقدون أحوال إخوانهم، و يطمئن بعضهم على صحة إخوته، و يتعرفون أحوال المرضى و المعوزين، و يخفف بعضهم عن بعض، و نحو ذلك من المصالح الكبيرة التي تترتب على هذا الاجتماع و التلاقي.

كما شرع لهم بعد إكمال صومهم و ما معه من العبادات التي يتقربون بها إلى ربهم في شهر رمضان، أن يكون اليوم الذي بعده عيدًا لهم، يظهرون فيه الفرح و السرور، و يتبادلون التهنئة والتبريك، بإكمال صومهم، و إدراك يوم عيد الفطر الذي يسمى يوم الجوائز؛ حيث يحصلون على جوائز المغفرة و الرحمة و العتق من النار، و ليس هو يوم أشر و بطر و سهو و لهو و غناء و زمر و باطل، و لهذا يٌفتتح بصلاة العيد التي فيها المواعظ و النصائح، و فيها إظهار التكبير و التسبيح، امتثالًا لقوله تعالى: (( و لتكبروا الله على ما هداكم ) ) (البقرة:185) .

و شرع العيد الثاني السنوي وقت أداء المناسك الخاصة بالحرم المكي، و بعد إكمال العشر الأول من شهر ذي الحجة التي يشرع فيها التعبد و الذكر و الدعاء و العمل الصالح، و في آخرها أيام ذبح الأنساك و القرابين، فناسب أن يكون اليوم العاشر يوم عيد لجميع المسلمين في جميع البلاد، يتقربون فيه بذبح الأضاحي، و يؤدون فيه صلاة العيد و خطبتيه، و ينصتون لما فيهما من المواعظ و التعليمات، فهذه أعياد المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت