و للدار قطني عنه قال:"ما أخرجنا على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا صاعًا من دقيق، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من سلت، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط". و غير ذلك من الروايات.
و قد ذهب الأكثرون إلى أنها لا تخرج إلا من الأصناف الخمسة المذكورة، و هي: الطعام، أي: البر كما ورد مفسرًا في بعض الروايات، و الشعير، و التمر، و الزبيب، و الأقط؛ لأنها الأقوات المعتادة لغالب الناس، و رجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز إخراجها من غالب قوت البلد، و منه الأرز و الذرة و الدخن إذا غلب أكلها في إحدى الجهات، و هو الأقرب إن شاء الله تعالى.
مقدار زكاة الفطر:
ذكر في حديث أبي سعيد أنها صاع من أحد الأصناف المذكورة، و قد اختلف في مقدارها من البر، فرأى معاوية الاكتفاء بنصف صاع منه، لكونه أفضل من الشعير، و أن الفقراء قد لا يأكلون الشعير أحيانًا؛ بل يطعمونه الدواب و البهائم، و كذا التمر؛ سيما الرديء منه، فنصف الصاع من البر يعدل الصاع من الشعير في القيمة، ثم هو أنفع من الشعير للفقراء، و قد عمل بذلك كثير من الصحابة، ذكرهم الحافظ في شرح البخاري و غيره.
و ورد في ذلك حديث حسنه الترمذي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي صلى الله عليه و سلم بعث مناديًا في فجاج مكة"ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم ذكر أو أنثى، حر أو عبد صغير أو كبير، مدان من قمح أو سواه، صاع من طعام".
و لكن حديث أبي سعيد أصح منه، و فيه صاع من طعام، و قد فسّره الخطابي بالبر و هو الأولى، و قد اختار أبو سعيد البقاء على ما كان عليه وقت النبي صلى الله عليه و سلم، و هو إخراج الصاع كاملًا دون موافقة معاوية على رأيه.
ثم إن الصاع معروف، و هو أربعة أمداد، و المد من البر ملء الكفين المتوسطين مجموعتين، و قدر الصاع بأنه خمسة أرطال و ثلث بالعراقي، و الصاع معروف في هذه البلاد، و هو مع العلاوة يقارب ثلاث كيلو، و بدون علاوة نحو كيلوين و نصف، و الاحتياط إكمال الثلاثة.
إخراج قيمة زكاة الفطر (نقدًا) :
ورد في السنة إخراجها من الأطعمة التي ذكرت في الأحاديث، أو من غالب قوت البلد، ليحصل بها الاقتيات و الاستغناء عن التكفف و التسول يوم العيد، و يكفى الفقراء عن الشراء و الحمل بإيصالها إلى منازلهم غالبًا.
و قد ذهب الحنفية إلى جواز إخراج القيمة، و هو إخراجها نقدًا من الدراهم أو الدنانير، و زعموا أنه أرفق بالفقير، حتى يتمكن من شراء ما يناسبه من الطعام أو غيره، و هو خلاف النصوص الواردة و الأحاديث المتكاثرة، فإن القيمة موجودة في العهد النبوي، و لم يأمر بالإخراج منها؛ و لأن في إخراجها طعامًا إشهار لها و إعلان للعمل بها، بخلاف القيمة فإنها تكون خفية، يعطيها المزكي بخفية، و قد يأخذها من لا يستحقها.
على من تجب زكاة الفطر:
تجب على المسلم الحر العاقل إذا فضل بشيء عن قوته و قوت عياله يوم العيد و ليلته، فيخرج عن نفسه و عن كل من يمونه ممن تجب عليه نفقته، فإن عجز عن الجميع، بدأ بنفسه، فامرأته، ثم برقيقه، ثم بولده، ثم بأمه، ثم أبيه، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته، ففي حديث ابن عمر الذي في الصحيحين قال:"فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم زكاة الفطر من رمضان .. على العبد و الحر، و الذكر و الأنثى، و الصغير و الكبير، من المسلمين". و في حديث ثعلبة بن أبي صُعَيرْ مرفوعًا:"صاع من بر، أو قمح، على كل إثنين، صغير أو كبير، حر أو عبد، ذكر أو أنثى، غني أو فقير، أما غنيكم فيزكيه الله، و أما فقيركم فيرد الله عليه أكثر مما أعطى"رواه أبو داود و أحمد و غيرهما. و وقع في بعض طرق حديث ابن عمر:"على كل صغير و كبير، حر و عبد، ممن تمونون"رواه الدار قطني.
و لا تلزمه فطرة زوجته إذا نشزت، و لا عبده المكاتب؛ لأنها لا تلزمه نفقتهما، و من تبرع بنفقة إنسان شهر رمضان لم تجب عليه فطرته التي هي تابعة لوجوب النفقة.
و استحبها بعض الصحابة عن الجنين في بطن أمه من غير وجوب، و من وجبت فطرته على غيره فأخرج عن نفسه كالزوجة و الابن و الأم أجزأت عنه، لأنه المخاطب بها، و إنما تحملها عنه و ليه تبعًا للنفقة أو للحاجة.
جهة إخراج زكاة الفطر:
مصرف الفطرة كمصرف الزكاة، فأهلها هم أهل الزكاة المذكورون في قوله تعالى: (( إنما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و في الرقاب و الغارمين و في سبيل الله و ابن السبيل ) ) (التوبة:6) . و حيث إن وصف الفقر و المسكنة هو الغالب، فإن المقدم فيها هم الفقراء و المساكين، الذين تعوزهم النفقة و يحتاجون إلى تحصيل القوت الضروري لهم و لعوائلهم، و لهذا ورد في الحديث:"أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم".