أقول: إن الإنسان إذا كبّر الله استحضر عظمته و جلاله، و كبرياءه، و قداسته، فاحتقر نفسه و احتقر أعماله مهما عمل، و لم يذكر شيئًا من أعماله و لم يفتخر بها. و بمثل ذلك يكون محلًا للعفو و لقبول الحسنات، فإذا عرفت بأن ربك أهل لأن يعبد، و أهل للثناء و المجد، و أهل لأن يحمد، و أنك لو عبدت الله تعالى بكل ما تستطيعه لما أديت أقل القليل من حقه عليك، كما يقول بعضهم:
سبحان من لو سجدنا بالعيون له ... على حمى الشوك و المحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معاشر مِنّته ... و لا العشير و لا عشرًا من العشر
فنحن إذا أنهينا صيامنا و قيامنا. نعرف أن ربنا هو الكبير الأكبر، و أنه أهل لأن يكبّر، و يعظّم، و أنه أهل للعبادة، و لذلك يُروى أن أهل الجنة إذا دخلوا الجنة و قابلوا ربهم. اعترفوا بالتقصير، و قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك"."
أي مهما كانت عبادتك فإنك ستحتقرها، و يقول الرسول صلى الله عليه و سلم:"لا يقولن أحدكم إني صمت رمضان كله، و قمته كله"، قال الراوي: فلا أدري، أكره التزكية، أو قال: لا بد من نومه أو رقده؟ أو تقصيره.
و كلا الأمرين، حق فإن الإنسان منهي أن يزكي نفسه قال تعالى: (( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلمُ بمن اتقى ) ) (النجم:32) . و قال: (( ألم تر إلى الذين يُزكُّون أنفسهم بل الله يزكِّي من يشاء ) ) (النساء:49) .
فتزكية النفس: مدحُها، و رفع مقام الإنسان لنفسه و الإعجاب، و قد يكون الإعجاب سببًا لإحباط العمل! فعليك أن تحتقر نفسك، فإذا نظرت إلى الناس، و احتقرت أعمالهم فارجع إلى نفسك و احتقرها، و لُمْهَا حق اللوم، و حقِّر عملك حتى يحملك ذلك على الاستكثار، و لا تعجب بأي عمل فعلته فلا تقل:
أنا الذي صليت!
أنا الذي قمت!
أنا الذي تهجدت!
أنا الذي قرأت .. إلخ، فيكون إعجابك سببًا لرد أعمالك!
فهذا و نحوه من الإرشادات التي ينبغي على المسلمين أن يعملوا بها، و أن يهتدوا إليها، و يحرصوا على استغلالها في مثل هذه الليالي المباركة.
الفصل السابع
زكاة الفطرو ما يتعلق بها من أحكام
معنى زكاة الفطر و سبب تسميتها بذلك:
هي الصدقة التي تخرج في آخر رمضان، و في ليلة عيد الفطر و صباح عيد الفطر، و سميت بزكاة الفطر لأنها شرعت عند إتمام الشهر، و في الزمن الذي يفطر فيه الصائمون من رمضان، فهي زكاة الإفطار، أو صدقة عيد الفطر الذي بعد إكمال رمضان.
تاريخ تشريع زكاة الفطر:
الظاهر أنها شرعت وقت فرضية رمضان، أي في السنة الثانية من الهجرة، و ذلك لأنها تضاف إلى رمضان و إلى الإفطار منه، فهي تابعة له، و لم يذكر أنهم صاموا الشهر و لم يخرجوا زكاة الفطر.
حكم زكاة الفطر:
لا شك أنها واجبة، ففي الصحيحين عن ابن عمر قال:"فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم زكاة الفطر من رمضان، صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير ...". الحديث. و الفرض في الظاهر هو الإيجاب و الإلزام، فدل على أنها من الفرائض.
و نقل ابن المنذر و غيره الإجماع على ذلك، لكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية، على قاعدتهم في التفريق بين الفرض والواجب، و قد ثبت أن قوله تعالى: (( قد أفلح من تزكى ) ) (الأعلى:14) . نزلت في زكاة الفطر كما روى ذلك ابن خزيمة.
الحكمة من تشريع زكاة الفطر:
روى ابن عباس قال:"فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو و الرفث، و طعمة للمساكين". رواه أبو داود و ابن ماجه و الدار قطني و الحاكم و صححه. و ذلك أن الصائم في الغالب لا يخلو من الخوض و اللهو و لغو الكلام، و ما لا فائدة فيه من القول و الرفث الذي هو الساقط من الكلام، مما يتعلق بالعورات و نحو ذلك، فتكون هذه الصدقة تطهيرًا للصائم مما وقع فيه من هذه الألفاظ المحرمة أو المكروهة، التي تنقص ثواب الأعمال و تخرق الصيام.
ثم هي أيضًا طعمة للمساكين، و هم الفقراء المعوزون، ليشاركوا بقية الناس فرحتهم بالعيد، و لهذا ورد في بعض الأحاديث:"أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم". يعني أطعموهم و سدُّوا حاجتهم، حتى يستغنوا عن الطواف و التكفف في يوم العيد، الذي هو يوم فرح و سرور.
ثم إن إخراجها عن الأطفال و غير المكلفين و الذين لم يصوموا لعذر من مرض أو سفر داخل في الحديث، و تكون طهرة لأولياء غير المكلفين، و طهرة لمن أفطر لعذر، على أنه سوف يصوم إذا زال عذره، فتكون طهرة مقدمة قبل حصول الصوم أو قبل إتمامه.
أصناف زكاة الفطر:
في حديث أبي سعيد المتفق عليه قال:"كنا نخرج زكاة الفطر إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه و سلم: صاعًا من طعام، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من زبيب، أو صاعًا من أقط، فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة، فقال: إني لأرى مدّين من سمراء الشام يعدل صاعًا من تمر، فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد: فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه".
و للنسائي عنه قال:"فرض رسول الله صلى الله عليه و سلم صدقة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط".