و لا يستغرب ذلك أيضًا على الذين سهل القرآن في قلوبهم، و على ألسنتهم، فلا يستبعده إلا من لم يعرف قدر القرآن، أو لم يذق حلاوته في قلبه.
و على الإنسان إذا قرأ القرآن أن يتدبَّره و يعقله؛ لأن الله تعالى أمر بذلك في آيات كثيرة، كما قال تعالى: (( أفلا يتدبَّرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا ) ) (النساء:82) .
فنحن مأمورون أن ننظر في هذا القرآن و نتدبره، و الكفار كذلك مأمورون بذلك حتى يعترفوا أنه من عند الله، و أنه لو كان من عند غير الله لاختلفت أحكامه، و لاضطربت أوامره و نواهيه، فلما كان محكمًا متقنًا، لم يقع فيه أي مخالفة، و لا أي اضطرابات كان ذلك آية عظيمة، و معجزة باهرة.
فهذا هو القصد من هذه الآية، و لكن لا ينافي ذلك بأننا مأمورون أن نتدبر كل ما قرأنا كما أُمرنا.
الذكر و الدعاء في رمضان:
يجب على المسلم أن يتعلم، و أن يعمل بما تيسر له من الأذكار و الأدعية، فالأذكار يضاعف أجرها في هذا الشهر، و يكون الأمل في قبولها أقرب، و يجب على المسلم أن يستصحبها في بقية السنة، ليكون من الذاكرين الله تعالى، و ممن يدعون الله تعالى و يرجون ثوابه و رضوانه و رحمته.
و ذكر الله بعد الصلوات مشروع، و كذلك عند النوم، و عند الصباح و المساء، و كذلك في سائر الأوقات. و أفضل الذكر التهليل و التسبيح، و التحميد، و الاستغفار، و الحوقلة، و ما أشبه ذلك، و يندب مع ذلك أن يُؤتى بها و قد فَهِمَ معناها حتى يكون لها تأثير، فيتعلم المسلم معاني هذه الكلمات التي هي من الباقيات الصالحات، و قد ورد في الحديث تفسير قول الله تعالى: (( و الباقيات الصالحات ) ) (الكهف:46) . أنها: سبحان الله، و الحمد لله، و لا إله إلا الله، و الله أكبر، و لا حول و لا قوة إلا بالله.
و ورد في حديث آخر:"أفضل الكلام بعد القرآن أربع، و هن من القرآن: سبحان الله، و الحمد لله، و لا إله إلا الله، و الله أكبر". أي أفضل الكلام الذي يؤتى به ذكرًا.
فلتتعلم -أخي المسلم- معنى التهليل، و معنى الاستغفار، و معنى الحوقلة، و معنى التسبيح، و التكبير، و الحمد لله، و ما أشبه ذلك، تعلم معناها حتى إذا أتيت بها، أتيت بها و أنت موقن بمضمونها، طالب لمستفادها.
و شهر رمضان موسم من مواسم الأعمال، و لا شك أن المواسم مظنة إجابة الدعاء، فإذا دعوت الله تعالى بالمغفرة، و بالرحمة، و بسؤال الجنة، و بالنجاة من النار، و بالعصمة من الخطأ، و بتكفير الذنوب، و برفع الدرجات، و ما أشبه ذلك و دعوت دعاءً عامًا بنصر الإسلام، و تمكين المسلمين، و إذلال الشرك و المشركين، و ما أشبه ذلك، رُجي بذلك أن تستجاب هذه الدعوة من مسلم مخلص، ناصح في قوله و عمله.
و قد أمر النبي صلى الله عليه و سلم بالدعاء و بسؤال الجنة، و بالنجاة من النار؛ و ذلك لأنها هي المآل.
الاستغفار في رمضان:
يقول الله تعالى: (( كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون * و بالأسحار هم يستغفرون ) ) (الذاريات:17 - 18) .
و قد تتعجب: من أي شيء يستغفرون؟
أيستغفرون من قيام الليل؟! هل قيام الليل ذنب؟
أيستغفرون من صلاة التهجد؟ هل التهجد ذنب؟
نقول: إنهم عمروا لياليهم بالصلاة، و شعروا بأنهم مقصِّرون فختموها بالاستغفار، كأنهم يقضون ليلهم كله في ذنوب. فهذا حال الخائفين؛ إنهم يستغفرون الله لتقصيرهم.
و يقول بعضهم:
أستغفر الله من صيامي ... طول زماني و من صلاتي
صوم يرى كله خروق ... و صلاة أيما صلاة
فيستغفر أحدهم من الأعمال الصالحة، حيث إنها لابد فيها من خلل، و لذلك يندب ختم الأعمال كلها بالاستغفار، بل بالأخص في مثل هذه الليالي.
و قد جاء قول النبي صلى الله عليه و سلم في حديث سلمان:"فأكثروا فيه من أربع خصال، خصلتين ترضون بهما ربكم، و خصلتين لا غنى لكم عنهما، أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فلا إله إلا الله، و الاستغفار. و أما الخصلتان اللتان لا غنى لكم عنهما: فتسألون الله الجنة، و تستعيذون من النار"رواه ابن خزيمة كما سبق.
فهذا و نحوه دليل على أنك متى وفقت لعمل فغاية أمنيتك العفو، و تختم عملك بالاستغفار. إذا قمت الليل كاملًا، فاستغفر بالأسحار، كما مدح الله المؤمنين بقوله: (( و بالأسحار هم يستغفرون ) ) (الذاريات:18) . فإذا وُفِّقت لقيام مثل هذه الليالي، فاطلب العفو، أي: اطلب من ربك أن يعفو عنك، فإنه تعالى عفوّ يحب العفو.
و العفُوُّ من أسماء الله تعالى، و من صفاته، و هو الصفح و التجاوز عن الخطايا و عن المخطئين.
في ختام الشهر:
و علينا أن نختم أعمالنا كلها بالتوبة و الاستغفار، سواء في قيام هذه الليالي أو غيرها من سائر الأعمال، بل نختم عملنا كله بما يدل على تعظيم الله تعالى، و ذكره و الثناء عليه.
و قد أمر الله عباده بأن يختموا شهرهم بالتكبير في قوله تعالى: (( و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون ) ) (الذاريات:18) .
و لكن، ما مناسبة ختم رمضان بالتكبير بعد إكمال العدة؟