فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 21

فمثل هذه مما تكسب النشاط في البدن، و النشاط في القلب، و متى كان القلب و البدن نشيطين لم يملّ الإنسان و لم يكل، و متى كان البدن كسولًا ضعف قلبه، و ملّ من العبادة، و كسل عنها.

و كثيرًا ما يذم الله تعالى أهل الكسل، كما ذكر الله تعالى ذلك في وصفه المنافقين بقوله تعالى: (( و إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ) ) (النساء:142) .

فالمسلم يأتي بالأعمال التي تحبب إليه العبادة و تجعله منشرح القلب، مقبلًا عليها بكليته، غير غافل و لا ساه، بعيدًا عن كل ما يلهي القلب و يشغله عن طاعة مولاه عز و جل.

الفصل السادس

القرآن و الذكر في رمضان

القرآن في رمضان:

معلوم أن رمضان شهر له خصوصية بالقرآن. قال الله تعالى: (( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان ) ) (البقرة:185) .

فقد أنزل الله القرآن في هذا الشهر، و في ليلة منه هي ليلة القدر، لذا كان لهذا الشهر مزية بهذا القرآن.

و كان النبي صلى الله عليه و سلم يعرض القرآن في رمضان على جبريل عليه السلام، فكان يدارسه القرآن.

فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أجود الناس، و كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن".

فكونه يخص ليالي رمضان بمدارسته، دليل على أهمية قراءة القرآن في رمضان.

و معلوم أن الكثير من الناس يغفلون عن قراءة القرآن في غير رمضان، فنجدهم طوال السنة لا يكاد أحدهم يختم القرآن إلا ختمة واحدة، أو ختمتين، أو ربما نصف ختمة في أحد عشر شهرًا، فإذا جاء رمضان أقبل عليه و أتم تلاوته.

و نحن نقول: إنه على أجر، و له خير كبير، و لكن ينبغي ألا يهجر القرآن طوال وقته؛ لأن الله تعالى ذمّ الذين يجهرونه، قال تعالى: (( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا ) ) (الفرقان:17) .

* و من هجران القرآن ألا يكون الإنسان مهتمًا به طوال العام إلا قليلًا.

* و من هجرانه كذلك أنه إذا قرأه لم يتدبره، و لم يتعقله.

* و من هجرانه أن القارئ يقرأه لكنه لا يطبقه، و لا يعمل بتعاليمه.

و أما الذين يقرؤون القرآن طوال عامهم، فهم أهل القرآن، الذين هم أهل الله و خاصته.

و يجب على المسلم أن يكون مهتمًا بالقرآن، و يكون من الذين يتلونه حق تلاوته، و من الذين يحللون حلاله و يحرمون حرامه، و يعملون بمحكمه، و يؤمنون بمتشابهه، و يقفون عند عجائبه، و يعتبرون بأمثاله، و يعتبرون بقصصه و ما فيه، و يطبقون تعاليمه؛ لأن القرآن أنزل لأجل أن يعمل به و يطبق، و إن كانت تلاوته تعتبر عملًا و فيها أجر.

و فضائل التلاوة كثيرة و مشهورة، و لو لم يكن منها إلا قول النبي صلى الله عليه و سلم:"من قرا حرفًا من القرآن فله حسنة، و الحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، و لكن ألف حرف، و لام حرف، و ميم حرف". فجعل في قراءة آلم ثلاثين حسنة.

و فضائل التلاوة كثيرة لا تخفى على مسلم، و في ليالي رمضان و أيامه تشتد الهمة له. كان بعض القراء الذين أدركناهم يقرؤون في كل ليلة ثلاثة أجزاء من القرآن على وجه الاجتماع؛ يجتمعون في بيت، أو مسجد، أو أي مكان، فيقرؤونه في كل عشرة أيام مرة. و بعضهم يقرأ القرآن و يختمه وحده.

و قد أدركت من يختم القرآن كل يوم مرة أو يختم كل يومين مرة! فقد يسره الله و سهله عليهم، و أشربت به قلوبهم، و صدق الله القائل: (( ولقد يسَّرنا القرآن للذكر فهل من مُدَّكر ) ) (القمر:17) . و قال: (( فإنما يسَّرناه بلسانك لعلهم يتذكرون ) ) (الدخان:58) .

فمن أحب أن يكون من أهل الذكر فعليه أن يكون من الذين يتلون كتاب الله حق تلاوته، و يقرأه في المسجد، و يقرأه في بيته، و يقرأه في مقر عمله، لا يغفل عن القرآن، و لا يخص شهر رمضان بذلك فقط.

فإذا قرأت القرآن فاجتهد فيه؛ كأن تختمه مثلًا كل خمسة أيام، أو في كل ثلاثة أيام، و الأفضل للإنسان أن يجعل له حزبًا يوميًا يقرأه بعد العشاء أو بعد الفجر أو بعد العصر، و هكذا. لابد أن تبقى معك آثار هذا القرآن بقية السنة و يحبب إليك كلام الله، فتجد له لذة، و حلاوة، و طلاوة، و هنا لن تمل من استماعه، كما لن تمل من تلاوته.

هذه سمات و صفات المؤمن الذي يجب أن يكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله تعالى و خاصته.

أما قراءة القرآن في الصلاة، فقد ذكرنا أن السلف كانوا يقرؤون في الليل فرادى و مجتمعين قراءة كثيرة. فقد ذكروا أن الإمام الشافعي -رحمه الله- كان يختم في الليل ختمة، و في النهار ختمة، في غير الصلاة؛ لأنه يقرأ في الصلاة زيادة على ذلك.

و قد يستكثر بعض الناس ذلك و يستبعدونه، و أقول: إن هذا ليس ببعيد، فقد أدركت أناسًا يقرؤون من أول النهار إلى أذان صلاة الجمعة أربعين جزءًا في مجلس واحد. يقرأ، ثم يعود فيقرأ، يختم القرآن ثم يعود فيختم ثلث القرآن، فليس من المستبعد أن يختم الشافعي في النهار ختمة، و في الليل ختمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت