و ربما زادوا على ذلك هذه النظرات التي ينظرونها إلى ما يثير الشهوات المحرمة؛ فإن سماع هذه الأغاني الفاتنة يزرع في القلوب محبة الزنا و الفساد؛ فيدفعهم ذلك إلى طلب المحرمات. و كذلك فإن مشاهدتهم لتلك الصور الخليعة تزرع في قلوبهم محبة الشرور فتدفعهم اندفاعًا كليًا إلى أن يأتوا ما لا يحل لهم من زنا، أو شرب خمر، أو ما أشبه ذلك. و كثير منهم لا تحلو مجالسهم و لا تلذّ إلا إذا شنَّفوا أسماعهم بالأغاني الخليعة! و متّعوا أعينهم بالصور الهابطة! و عطَّروا أفواههم بالكلام القبيح! و ملأوا شهواتهم و بطونهم بالأشربة المحرمة من خمر و نحوها! فيجمعون بذلك بين ترك الطاعة، و ارتكاب المعصية، أو ما يسبب محبة المعصية.
فمثل هؤلاء مع كونهم محرومين، فإنهم آثمون إثمًا كبيرًا، و هؤلاء موجودون بكثرة، و يشكو منهم كثير من الهيئات ممن يأمرون بالمعروف، أو ينهون عن منكر بكثرة، و غالبًا ما يعثرون عليهم حتى في نهار رمضان و يقبض عليهم و هم في سكر!! فلا صيام، و لا ابتعاد عن المحرمات! و سبب ذلك أنهم طوال ليلهم و هم يتفكرون بهذه المحرمات كما زعموا! فيتمادى بهم ذلك إلى محبة هذه المعاصي، و التلذذ بها، فيستعملونها في النهار و يتركون الصيام، الذي هو ركن من أركان الإسلام، و يجمعون بين المعصية و ترك الطاعة -و العياذ بالله-.
و كثيرًا ما يختطفون النساء في الأسواق! و يتابعونهن، و يلمزونهن! و ذلك كله من أسباب ضعف الإيمان و قلته في القلوب، و حلول المعاصي و مقدمات الكفر بدلًا منه.
فهذه أقسام الذين يحيون هذه الليالي، فليختر المسلم لنفسه ما يناسبه من هذه الأقسام!!
استحباب زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر:
ورد في حديث عائشة:"أنه صلى الله عليه و سلم كان إذا دخل العشر، أحيا ليله، و أيقظ أهله، و جَدَّ". و الجدّ هو: بذل الجهد في طلب الطاعات، أو في فعلها، أي: بذل ما يمكنه من الوسع.
و ذلك يستدعي أن يأتي الطاعة بنشاط، و رغبة، و صدق و محبة. و يستدعي أن يبعد عن نفسه الكسل، و الخمول، و التثاقل، و أسباب ذلك، ففي أي شيء يكون هذا الجدّ؟
* الجد في الصلاة؛ فيصلي في الليل و النهار ما استطاع.
* و الجد في القراءة؛ أن يقرأ ما تيسر من القرآن بتدبر و خشوع و قلب حاضر.
* و الجد في الذكر؛ أن يذكر الله و لا ينساه، و لا زال لسانه رطبًا بذكر الله.
* و الجد في الدعاء؛ أن يدعو ربه تضرعًا و خفية و أن يكثر من الدعاء.
* و الجد في الأعمال الخيرية المتعددة من النصائح والعبادات، و ما أشبه ذلك.
* و الجد في العلم و التعلم و ما يتصل بذلك، أي الاجتهاد في الأعمال كلها.
إيقاظ الأهل في العشر الأواخر:
و يدخل في ذلك أمر الأهل -و هم الأولاد و النساء- بالصلاة، فيستحب للمسلم أن يوقظ أهله بهدف الصلاة، و أن يذكرهم بفضلها.
و كان السلف رحمهم الله يوقظون أهليهم حتى في غير رمضان. و كان عمر رضي الله عنه إذا كان آخر الليل أيقظ أهله كلهم، و أيقظ كل صغير و كبير يطيق الصلاة، و كان يقرأ قول الله تعالى: (( و أمر أهلك بالصلاة و اصطبر عليها ) ) (طه:132) .
يستشهد بهذه الآية على الحرص على صلاة النافلة، و ذلك دليل على محبة الصحابة و السلف رضي الله عنهم للإكثار من أعمال الخير في الليل و النهار.
لذلك يتأكد على المسلم أن يوقظ أهله و إخوته، و أولاده و نساءه، و من يتصل به، و من له ولاية عليه، يوقظهم لأجل أن يقوموا في هذه الليالي الشريفة. فهي ليال محصورة، إنما هي عشر ليال، أو تسع ليال إذا لم تكتمل ليالي الشهر إلى ثلاثين ليلة بأن كان الشهر ناقصًا يومًا، فلا تفوت على الإنسان الباحث عن الخير أن يغتنمها، و يستغل أوقاتها.
و عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال:"إذا قام الرجل للصلاة و أيقظ أهله فصليا كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا و الذاكرات".
و قد وردت أحاديث بفضائل كثيرة في إيقاظ الأهل في مثل هذه الليالي و غيرها.
إظهار النشاط و القوة في العشر الأواخر:
ثبت عنه صلى الله عليه و سلم أنه كان في ليالي العشر يغتسل كل ليلة بين العشائين أو بعد العشاء، و القصد من هذا الاغتسال أن يأتي الصلاة بنشاط بدن، و من نشاط البدن يأتي نشاط القلب.
و من احترام هذه الليالي و تعظيمها أن النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته كانوا يتجملون لهذه الليالي فيلبس أحدهم أحسن ثيابه، ليكون ذلك أيضًا أنشط لبدنه، و أنشط لقلبه، حتى إن كثيرًا منهم يتجملون في هذه الليالي بثياب لا يلبسونها لغيرها.
و مما يفعلونه للنشاط و القوة استعمالهم للطيب في البدن، و في الثوب، و في المساجد، فكانوا يستعملون النضوح، و النضوح هي: الأطياب السائلة حتى يكون الإنسان طيب الريح، و يكون بعيدًا عن الروائح الكريهة لأن الملائكة تحب الريح الطيب، و تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم، و كذلك يطيبون مساجدهم بالنضوح، و بالدخنة التي هي المجامر.