فإذا اجتمع جماعة، عشرة أو عشرون، أو نحو ذلك يقرؤون القرآن؛ يقرأ أحدهم، و بقيتهم يستمعون له، ناظرين في مصاحفهم، ثم يقرأ الثاني، حزبًا أو نصف حزب، أو ربعه، ثم يقرأ الثالث .. و هكذا، فيصدق عليهم أنهم يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم، فيُحيون ليلهم بالطاعات و القربات.
كذلك إذا أحيوا الليل بتعلم أو تعليم كان ذلك أيضًا أحياءً لهذه الليالي بطاعة. فإذا أحيينا ليلنا أو جزءًا من ليلنا في تعلُّم علوم دينية، كان ذلك إحياء لهذه الليالي بطاعة تنفعنا إن شاء الله.
فهؤلاء هم الذين ربحوا ليلهم، و استفادوا من وقتهم.
القسم الثاني: يحيونها في التكسب و في التجارات:
و يندرج في هذا القسم أولئك الذين يحيون ليلهم في التكسب، في تجاراتهم، و في صناعاتهم و في دكاكينهم؛ و هؤلاء قد ربحوا نوعًا من الربح، و هو ربح عابر؛ ربح دنيوي، لكنه قد يكون عند بعضهم أنفس و أغلى ثمنًا مما حصل عليه أهل المساجد، و أهل القراءات، و أهل العلم! و لكنهم في الحقيقة قد خسروا أكثر مما ربحوا، فترى أحدهم يبيت ليله كله في مصنعه، أو في متجره أو حرفته، أو نحو ذلك. فهذا قد أسهر نفسه، و أحيى ليله، و لكن في طلب الدنيا الدنيئة!
فإذا كان ممن رغب عن الأعمال الأخروية، و زهد فيها، و أقبل على الدنيا بكليته، و انصرف إليها و لم يعمل لآخرته، خيف عليه أن يكون ممن قال الله تعالى في حقهم: (( من كان يريد الحياة الدنيا و زينتها نوفِّ إليهم أعمالهم فيها و هم فيها لا يبخسون * أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار و حبط ما صنعوا فيها و باطل ما كانوا يعملون ) ) (سورة هود:15 - 16) .
و هذه الآية فيمن جعل دنياه أكبر همه، و نسي أو تناسى الآخرة، و لم يعمل لها، و كان مقصده و ديدنه السعي وراء هذا الحطام؛ بل جعلها هي مقصده، لا يعمل و لا يسعى و لا يكدح إلا لها، حتى كأنها معبوده، فيصدق عليه أنه عابد لدنياه، و أنه عابد لدرهمه و ديناره، و يتحقق عليه التعس، و يدعى عليه بقول النبي صلى الله عليه و سلم:"تعس عبدالدينار و الدرهم والقطيفة".
و لكن بعضهم قد يحصل على جزء من الصلاة و القراءة و لا يكون غافلًا عن ربه و لا متغافلًا عن الذكر، و لا منشغلًا عن القراءة، فيستصحب معه -مثلًا- كتاب الله يقرأ فيه في أوقات فراغه، و يذكر ربه في أوقات فراغه، و يصلي ما قدر له، و يأتي بورد صغير معه. و هذا قد ربح نوعًا من الربح، و إن لم يكن الربح الأكمل، فهذا على طرف، لكن فاته الخير الكثير.
القسم الثالث: يحيونها في اللهو و اللغو:
و يشمل أغلبية الناس؛ فإننا نراهم يحيون ليلهم، و لكن في لهو، و سهو!! فتراهم يجتمعون في بيوتهم و مجالسهم يتبادلون الفكاهات و الضحك، و القيل و القال، و ربما تجاوز الأمر بهم إلى الغيبة، و إلى النميمة، و إلى الكلام في أعراض الناس، و ما أشبه ذلك، و لا يذكرون الله في مجالسهم إلا قليلًا، و لا يستصحبون شيئًا من القرآن، و لا من كتب الدين و العلم!
و ينقطع ليل أحدهم، أو ليل جماعتهم ليس لهدف سوى نوم النهار، هكذا قصدوا! فيفوت عليهم الأمران:
الأول: أنهم لا يشاركون المصلين في الصلوات، و لا يشاركون القراء في قراءتهم.
و الثاني: أنهم لا يشاركون أهل الأرباح الدنيوية في أرباحهم، فيفوت عليهم هذا و هذا!
و لا يحزنون على خسارتهم، و أي خسارة تلك التي لا يشعرون بها؟! ألا و هي مضي هذه الأيام و الليالي الشريفة دون أن يستغلوها، و دون أن يستفيدوا منها.
فما أعظم خسارتهم! و ما أعظم حسرتهم حينما يرون أهل الأرباح قد تقاسموا الأرباح! و حينما يرون أهل الحسنات قد ضوعفت لهم حسناتهم. فهؤلاء لا خير دين، و لا خير دنيا، بل ربما يكتسبون مآثم بكلام لا فائدة فيه؛ فإن كلام ابن آدم مكتوب عليه، يقول الله تعالى: (( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) ) (ق:18) .
و يقول النبي صلى الله عليه و سلم:"كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا ذكر الله و من والاه، و أمر بمعروف، و نهي عن منكر".
و يصدق على ذلك قول الله تعالى: (( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ) ) (النساء:114) .
و هؤلاء قد يكتب عليهم ما يُسألون عنه، و يحاسبون عليه: لماذا قلتم كذا؟ و لماذا تكلمتم بكذا؟ و لماذا لم تستخدموا ألسنتكم التي سخرها الله لكم في ذكر الله؟ و لماذا أبعدتم آذانكم عن استماع ما فيه طاعة الله تعالى، و فيما يرضيه؟ فلا يجدون لهذا السؤال جوابًا!
القسم الرابع: يحيونها في المعاصي كبيرها و صغيرها:
و هؤلاء كثير أيضًا -و العياذ بالله- و هم الذين يحيون هذه الليالي الشريفة في ضد الطاعة! فتراهم يسهرون على آلات اللهو، و المجون: ينصتون إلى الأغاني الفاتنة، و إلى الأشرطة الماجنة، و إلى رؤية الصور و الأفلام الخليعة!