فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 21

هكذا المعتكف الذي يريد أن يكتب له أجر هذا الاعتكاف، و يقتدي في ذلك بسنة نبيه صلى الله عليه و سلم، فإنه صلى الله عليه و سلم ما ترك الاعتكاف في سنة من السنوات إلا سنة واحدة في رمضان لما دخل معتكفه اعتكف معه بعض نسائه، و ضربت كل واحدة منهن قبة، فلما رأى الأقبية في المسجد أنكر ذلك، و عرف أن هذا منافسة. فعند ذلك ترك الاعتكاف تلك السنة و اعتكف في شوال، و كان في الغالب يعتكف في العشر الأواخر من رمضان. و اعتكف مرة أو مرتين في العشر الأوسط.

و الاعتكاف -كما سبق- كان للاستكثار من الطاعة، و لطلب أن يحظى العبد بالمغفرة، و المغفرة لها أسباب، و من أسبابها في رمضان: الصيام إيمانًا و احتسابًا. و قيام رمضان إيمانًا و احتسابًا. و كذلك قيام ليلة القدر إيمانًا و احتسابًا. فيحرص العبد على أن يحظى بسبب من أسباب مغفرة الذنوب التي اقترفها فيما مضى من عمره.

الفصل الخامس

إحياء العشر الأواخر من رمضان

إذا علمنا أن شهر رمضان هو أفضل الشهور، كانت نتيجة ذلك أن نجتهد فيه اغتنامًا لفضله، و إذا علمنا أن العشر الأواخر هي أفضل أيامه، و أفضل لياليه، كانت نتيجة ذلك أن نكثر الاجتهاد فيها، و ألا نضيع منها وقتًا في غير منفعة.

و هذه الأيام العشر يستحب فيها أربعة أشياء:

1 -إحياؤها كلها.

2 -زيادة الاجتهاد فيها بالأعمال الأخرى.

3 -إظهار النشاط فيها و القوة.

4 -الاعتكاف و اعتزال الشهوات و الملذات.

إحياء الرسول صلى الله عليه و سلم العشر الأواخر:

ثبت في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا دخل العشر أحيا ليله، و أيقظ أهله، و جدّ، و شدّ المئزر". و كذلك روي عنها أنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يخلط العشرين من رمضان بصلاة و نوم، فإذا كان في العشر لم يذق غمضًا". أي: في الليالي العشر لا يذوق غمضًا، بل يقوم ليله كله دون نوم.

و في حديث آخر:"إذا دخل العشر طوى فراشه". يعني: فراش النوم ليلًا في آخر ليالي الشهر. و في حديث آخر تأكيد الإحياء بقولها:"و أحيا ليله كله".

أقسام الناس في إحياء العشر الأواخر:

ينقسم الناس في إحياء هذه الليالي إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: يحيونها بالعبادات:

هناك من يحيون العشر الأواخر من رمضان بالعبادات، فيحيونها بالصلاة، و طول القيام و الركوع و السجود، اقتداءً بفعل نبيهم صلى الله عليه و سلم فقد كان يديم الصلاة في هذه الليالي؛ فإنه صلى ليلة ببعض صحابته حتى خشوا أن يفوتهم السحور، و كذلك صلى مرة و معه رجل من أصحابه -و هو حذيفة- فقرأ في ركعة واحدة ثلاث سور: سورة البقرة و سورة آل عمران، و سورة النساء، يقرأ بتدبر، و يقف عند آية الرحمة فيسأل، و عند آية العذاب فيتعوذ، يقول: فما صلى ركعتين، أو أربع ركعات حتى جاءه المؤذن للصلاة.

و هذا هو الأصل في إحياء هذه الليالي، فتجد المجتهدين قبل سنوات يهتمون بهذه الليالي، و يولونها زيادة نشاط و عبادة، اقتداءً بفعل نبيهم صلى الله عليه و سلم بحيث إنهم يزيدون في قيام هذه الليالي، و يقطعون الليل كله في الصلاة، فيصلون عشر ركعات، و يقرؤون فيها نحو جزء و نصف، ثم يستريحون نحو نصف ساعة ثم يصلون أربع ركعات بسلامين في ساعتين، أو ساعة و نصف على الأقل يقرؤون فيها ثلاثة أجزاء، أو جزئين و نصفًا، ثم يستريحون نحو ساعة أو أقل، ثم يصلون ست ركعات تستغرق ساعتين و نصفًا، أو ثلاث ساعات، يقرؤون فيها أيضًا ثلاثة أجزاء أو ثلاثة و نصفًا، ثم يستريحون قليلًا، ثم يصلون الوتر، فيكون ليلهم كله عامرًا بالصلاة، و إنما يتخللها فترات راحة، و ذلك اقتداء بما كان عليه السلف و الصحابة و من بعدهم.

و كان الصحابة يصلون في ليالي رمضان ثلاثًا و عشرين ركعة، و ربما صلى بعضهم، أو بعض التابعين كما عند الإمام مالك في رواية ستًا و ثلاثين، و عند الإمام الشافعي يصلي في ليالي رمضان إحدى و أربعين ركعة في رواية عنه فيصلون أربع ركعات، و تستغرق نصف ساعة، يستريحون بعدها نحو خمس أو عشر دقائق، ثم يصلون أربعًا و هكذا، و لذلك سموا هذا القيام بالتراويح حيث إنهم يرتاحون بعد كل أربع ركعات. فهذه الأفعال هي حقًا إحياء لهذه الليالي في العبادة.

و يدخل في إحياء تلك الليالي أيضًا إحياؤها بالقراءة؛ فإن هناك من يسهر ليالي العشر يصلون ما قدر لهم، ثم يجتمعون حلقات، و يقرؤون ما تيسر من القرآن في بيت من بيوت الله في المساجد، أو في بيت أحدهم رجاء أن تُحقَّق الفضائل التي رتبت على ذلك، و قد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، و غشيتهم الرحمة، و حفتهم الملائكة، و ذكرهم الله فيمن عنده".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت