هيَ الكُنوزُ التي تَنْمُو ذخائِرُها
الناسُ إثْنانِ ذُو علمٍ ومُسْتمع
... كَيْما تقِرَ بهم عَيْناكَ في الكِبَرِ
في عُنفوان الصِبا كالنقش في الحَجَرِ
ولا يُخافُ عليها حادِثُ الغِيَرِ
واعٍ وسائرهمْ كاللَغْوِ والعُكَرِ
مَنْ تعلّم العلم وهو شاب، كانَ كَوَشْمٍ في حَجَرٍ، ومن تعلّم العلم بعدما يدخل في السِنّ، كانَ كالكِتاب على ظهر الماء.
أرانيَ أنسى ما تعلّمتُ في الكِبَرْ
وما العلم إلا بالتعلم في الصِبا
ولو فُلِقَ القلبُ المعلَم في الصِبا
... ولستُ بناسٍ ما تعلّمتُ في الصِغَرْ
وما الحلم إلا بالتحلم في الكِبَرْ
لأُلفي فيه العلمُ كالنقش في الحَجَرْ
ولا يُجْهدْ نَفْسَه جُهدا يُضْعِفُ النَفْسَ، وينقطعُ عن العَمَلِ، بل يستعملُ الرِفْقَ في ذلك فإنّ الرِفْقَ أصْل عظيم في جميع الأشياء، ولابُدّ لطالِب العلم من الهمّة العالية في العلم، فإنّ المَرْءَ يطير بِهمَتِه كالطيْرِ يطيرُ بجناحَيْه، فلابُدَ أنْ تكونَ همَتُه على حِفْظِ جميع الكُتُبِ ليُحصلَ البَعْضَ، فأمّا إذا كانَتْ له همَة، ولم يكنْ له جِد، أو كانَ له جد ولم تكُنْ له همَة عالية، لا يحصل له إلا القليلُ من العلم، وينبغي أنْ يَبْعَثَ نَفْسَه على التَحْصيلِ والجِد والمُواظَبةِ، بِالتأملِ في فضائِلِ العُلوم ودَقائِقها وحَقائِقها، فإنَ العلم يَبْقى، وغيرُه يَفْنى فإنَه حَياة أَبَدِيّة والعالِمونَ لا يموتون وإنْ ماتُوا فَهمْ أحْياء.
رَضِيْنا قِسْمة الجبّار فينا
فإنّ المالَ يفنى عن قريبٍ
الجاهلونَ فموتى قبلَ موتهمُ
... لنا علم وللأعداء مالُ
وإنّ العلمَ يبقى لا يُزالُ
والعالِمونَ وإنْ ماتوا فأحْياءُ
العلم خير من المال: لأنّ المال تحرسُه، والعلمُ يحرسُكَ، والمالُ تُفنيه النفقةُ، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه، مات خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر.
موتُ التقيّ حياة لا انقطاع لها
ما الفضل إلا لأهل العلم أنّهم
وقَدْرُ كلّ امْرِئٍ ما كان يُحسِنُه
وضِدّ كلّ امْرِئٍ ما كانَ يجهلُه
فَفُزْ بِعلمٍ ولا تطلب به بَدَلا
... قد مات قوم وهم في الناس أحياء
على الهدى لمن استهدى أدِلاّءُ
وللرِجال على الأفعال أسْماءُ
والجاهلونَ لأهل العلم أعْداءُ
فالناسُ مَوْتَى وأهل العلم أحْياءُ