ومن حقّ العالم عليك: أنْ تُسَلمَ على القوم عامَةً، وتخصّه دونَهم بالتحيّة، وأنْ تجلس أمامه، ولا تُشيرَنَ عنده بيدك، ولا تغمِزَنّ بعينيك، ولا تقولَنَ قال فلان خلافا لقوله، ولا تغتابنَ عنده أحَدا، ولا تسارّ في مجلسه، ولا تأخذ ثوبَه، ولا تلحَ عليه إذا كَسَلَ، ولا تعرض من طول صُحبته، فإنّما هو بمنزلة النخلة تنتظرُ متى يسقطُ عليك منها شي، فإنّ المؤمنَ العالم لأعظمُ أجْرا من الصائم، القائم، الغازي في سبيل الله، وإذا مات العالِمُ انثلَمَتْ في الإسلام ثُلمة لا يَسُدها شيء إلى يوم القيامة.
وحق سائِسِك بالعلم: التعظيمُ له، والتوقيرُ لمجلسه، وحُسْنُ الاستماع إليه، والإقبالُ عليه، وأنْ لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيبَ أحدا يسألُه عن شيٍ، حتى يكون هو الذي يُجيبُ، ولا تُحدث في مجلسه أحدا، ولا تغتابَ عندَه أحدا، وأنْ تدفعَ عنه إذا ذكر عندك بسوءٍ، وأن تستر عيوبَه وتُظْهرَ مناقبه، ولا تجالسَ له عدوّا، ولا تُعادي له وليّا.
إصْبِرْ على مُر الجفا من معلّمٍ
فَمَنْ لَم يذُقْ مُرَ التعلّم ساعةً
ومن فاتَه التعليم وَقْتَ شبابه
حياةُ الفَتى - والله - بِالعِلم والتقى
... فإنّ رسوب العلم في نفراتِه
تجرّع مُرَ الجهل طول حياتِه
فكَبر عليه معلِنا لوفاتِه
إذا لم يكونا، لا اعْتبارَ بذاتِه
وينبغي لطالب العلم أنْ يحتَرِزَ عَن الأخْلاق الذَميمة، فإنّها كِلاب معنويّة، ولا تدخُلُ الملائِكةُ بيتا فيه كَلْب أوْ صُوْرَة، وإنّ الله يحبّ معاليَ الأخلاق وأشرافها، ويكْرَه سفسافها، فإنه قد قيل: تعلّموا العلم، وتزيّنوا معه بالوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلّمون منه، ولمن تعلّمونه، ولا تكونوا جبابرةَ العلماء فيذهب باطلكم حقّكم، فإذا تعلّمتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك وباطل، فتمجّه القلوب، فإنه إذا ضحكَ العالم ضحكةً مجَ من العِلْمِ مَجَةً .
إنّ المكارمَ أخلاق مُطهرة
والعلمُ ثالثُها والحلمُ رابعُها
والبِر سابعها والصبر ثامنُها
والنفس تعلم أنّي لا أُصادِقُها
ومحترسٍ عن نفسه خوف ذِلةٍ
فقلّصَ بُرديْه وأفضى بِقلبه
وجانب أسباب السفاهةِ والخنا
وصانَ عن الفحشاء نفسا كريمةً
تراه إذا ما طاشَ ذو الجهل والصِبا
له حِلْمُ كهلٍ في صرامة حازِم
يَروق صفاء الماءِ منه بوجهه
ومن فضله يرعى ذِماما لجارِه
صبورا على صرف الليالي وَدَرْئها
له همّة تعلو على كلّ همّةٍ
... فالدينُ أوّلها والعقل ثانيها
والجود خامسُها والفضل ساديها