وينبغي أن يُقدّمَ علمَ التوحيدِ، ويَعْرِفَ الله تعالى بالدليل، ويختارَ العتيقَ دُوْنَ المحْدَثات، ويختارَ المُتُونَ، والأسْتاذ الأعْلَمَ، والأوْرَعَ، والأسَنَّ، وينبغي أنْ يُشاوِرَ في طَلَب أيّ عِلْمٍ يُرادُ في المشي إلى تحصيله، وأنْ يَثْبُتَ ويَصْبِرَ على أستاذ وعلى كِتابٍ، حتّى لا يكون بتركِه أبْتَرَ، وعلى فَن حتّى لا يشتغلَ بفَن آخَرَ قَبْلَ أنْ يصيرَ ماهرا فيه، وعلى بَلَدٍ حتّى لا يَنْتَقِلَ إلى بَلَدٍ آخَر، من غَيْر ضَرُورة فإنّ ذلك كلَه يُفَرّقُ الأُمورَ المُقَربة إلى التحصيل، ويُشْغل القَلْبَ، ويُضَيّعُ الأوقات، وأما اخْتيار الشريك، فينبغي أن يختارَ الُمجِدَ، والوَرِعَ وصاحبَ الطبعِ المستقيمِ، ويفرّ ويحترزُ من الكسْلانِ، والمُعَطَلِ، ومِكْثارِ الكلامِ، والمُفْسِدِ، والفتّانِ، وقيل:
إنْ كُنْتَ تبغي العِلْمَ من أهلِه
فاعْتَبِرِ الأرْضَ بأسْمائِها
لا تَصْحَب الكسلان في حالاته
عدوى البليد إلى الجليد سريعة
فلا تَصْحَبْ أخا الجهل
فكم من جاهلٍ أرْدى
يُقاسُ المَرْءُ بالمَرْءِ
ولِلقَلْبِ على القَلْب
وللشيء من الشي
... أوْ شاهدا يُخْبِرُ عن غائبِ
واعْتَبِرِ الصاحبَ بالصاحِبِ
كم صالحٍ بفساد آخَرَ يفسدُ
والجَمْرُ يُوضَعُ في الرمادِ فيخمُدُ
و إيّاكَ و إيّاه
حليما حينَ آخاه
إذا ما هو ماشاه
دليل حين يَلْقاه
ء مقاييس وأَشْباه
وينبغي أنْ يُعَظّمَ العلمَ وأهلَه بالقَلْبِ غايةَ التعظيم، ولا يأخُذ الكتابَ، أو يُطالِعَ أو يَقْرأ الدَرْسَ، إلا مَعَ الطَهارة، وكانَ مالك بن أنس، لا يحدّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ وهو طاهر.
وينبغي أنْ يُجَوِّدَ كتابة الكتاب فإن الخط الحسن يزيدُ الحقَ وضوحا، فكلّما كانَ أبْيَنَ كانَ أحْسَنَ فالخطّ لسان اليد، ولا يرقق الكتابة ويداني الحروف. وينبغي أنْ يستمع العِلْمَ بالتعظيم والحرمة، لا بالاسْتهزاء، ولا يختارُ نَوْعا من العِلْم بنفسِه، بَلْ يُفَوِضُ أمْرَه إلى أستاذه، لأنَ الأستاذ قد حَصَلَ له التجاربُ في ذلك عند التحصيل، وعَرَفَ ما ينبغي لكُلّ واحدٍ، وما يليقُ بطبيعتِه، وألا يجلسَ قريبا من الأستاذ بغير عذر إلاّ للضّرورة، بَلْ ينبغي أنْ يكونَ بينَه وبينَ الأستاذ قَدَرُ القوسِ، لأنَه أقربُ إلى التعظيم، فقد قيل: مَن علّمني حرفا فقد صيّرني عبدا.