وعَبْدُ اللَّهِ: إِنَّ مِنَ الْيَقِينِ أَنْ لَا تُرْضِيَ النَّاسَ بِسَخَطِ اللَّهِ، وَأَنْ لَا تَحْمِدَ أَحَدًا عَلَى مَا رَزَقَكَ اللَّهُ، وَلَا تَذُمَّنَّ أَحَدًا عَلَى مَا لَمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ، فَإِنَّ رِزْقَ اللَّهِ لَا يَجُرُّهُ حِرْصُ حَرِيصٍ، وَلَا يَمْنَعُهُ كَرَاهَةُ كَارِهٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بِحُكْمِهِ وَعَدْلِهِ وَقَصْدِهِ جَعَلَ الرَّوَحَ وَالْفَرَجَ فِي الْيَقِينِ وَالرِّضَا، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ فِي الشَّكِّ وَالسُّخْطِ" [1] ."
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْأَثَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ عن بَكَّارَ قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبًا يَقُولُ:"إِنَّ الرَّبَّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنِّي إِذَا أُطِعْتُ رَضِيتُ، وَإِذَا رَضِيتُ بَارَكْتُ، وَلَيْسَ لِبَرَكَتِي نِهَايَةٌ، وَإِنِّي إِذَا عُصِيتُ غَضِبْتُ، وَإِذَا غَضِبْتُ لَعَنْتُ، وَلَعْنَتِي تَبْلُغُ السَّابِعَ مِنَ الْوَلَدِ" [2] .
وعَنِ ابْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: أَوْحَى الله إِلَى عُزَيْرٍ يَا عُزَيْرُ، لاَ تَحْلِفْ بِي كَاذِبًا فَإِنِّي لاَ أَرْضَى عَمَّنْ يَحْلِفُ بِي كَاذِبًا، يَا عُزَيْرُ بِرَّ، وَالِدَيْك فَإِنَّهُ مَنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ رَضِيت، وَإِذَا رَضِيت بَارَكْت، وَإِذَا بَارَكْت بَلَغْت النَّسْلَ الرَّابِعَ، يَا عُزَيْرُ، لاَ تَعُقَّ وَالِدَيْك فَإِنَّهُ مَنْ يَعُقُّ وَالِدَيْهِ غَضِبْت وَإِذَا غَضِبْت لَعَنَت، وَإِذَا لَعَنَت بَلَغْت النَّسْلَ الرَّابِعَ. [3]
وَلَيْسَتْ سَعَةُ الرِّزْقِ وَالْعَمَلِ بِكَثْرَتِهِ، وَلَا طُولُ الْعُمُرِ بِكَثْرَةِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَلَكِنَّ سَعَةَ الرِّزْقِ وَطُولَ الْعُمُرِ بِالْبَرَكَةِ فِيهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عُمْرَ الْعَبْدِ هُوَ مُدَّةُ حَيَاتِهِ، وَلَا حَيَاةَ لِمَنْ أَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ وَاشْتَغَلَ بِغَيْرِهِ، بَلْ حَيَاةُ الْبَهَائِمِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِهِ، فَإِنَّ حَيَاةَ الْإِنْسَانِ بِحَيَاةِ قَلْبِهِ وَرُوحِهِ، وَلَا حَيَاةَ لِقَلْبِهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ فَاطِرِهِ، وَمَحَبَّتِهِ، وَعِبَادَتِهِ وَحْدَهُ، وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ بِذِكْرِهِ، وَالْأُنْسِ بِقُرْبِهِ، وَمَنْ فَقَدَ هَذِهِ الْحَيَاةَ فَقَدَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَوْ تَعَرَّضَ عَنْهَا بِمَا تَعَوَّضَ مِمَّا فِي الدُّنْيَا، بَلْ لَيْسَتِ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا عِوَضًا عَنْ هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَفُوتُ الْعَبْدَ عِوَضٌ، وَإِذَا فَاتَهُ اللَّهُ لَمْ يُعَوِّضْ عَنْهُ شَيْءٌ الْبَتَّةَ.
(1) - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 121) وشعب الإيمان (1/ 384) (205) ومعجم ابن الأعرابي (2/ 735) (1491) صحيح لغيره موقوف - زيادة مني ولم يصح رفعه
(2) - الزهد لأحمد بن حنبل (ص: 47) (289) وحلية الأولياء وطبقات الأصفياء (4/ 41) حسن مقطوع
(3) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (19/ 361) (36319) صحيح مقطوع - زيادة مني