يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِصِحَّةِ الْوَقْفِ كَوْنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ جِهَةَ بِرٍّ فَلاَ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ لِأَنَّ الْوَقْفَ طَاعَةٌ تُنَافِي الْمَعْصِيَةَ فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى الزُّنَاةِ أَوِ السُّرَّاقِ، أَوْ شُرَّابِ الْخَمْرِ، أَوِ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الإِسْلاَمِ فَيَكُونُ الْوَقْفُ فِي هَذِهِ الْجِهَاتِ بَاطِلًا لِأَنَّهَا مَعَاصٍ يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهَا فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَانَ عَلَيْهَا. [1]
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِجِهَةٍ عَامَّةٍ فَالشَّرْطُ أَنْ لاَ تَكُونَ الْجِهَةُ مَعْصِيَةً فَلاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكَنِيسَةٍ وَلِحُصْرِهَا وَقَنَادِيلِهَا وَنَحْوِهِ وَلاَ لِبَيْتِ نَارٍ وَلاَ لِبِيعَةٍ وَصَوْمَعَةٍ وَلاَ دَيْرٍ وَلاَ لإِِِصْلاَحِهَا وَشَعْلِهَا وَخِدْمَتِهَا وَلاَ لِعَمَارَتِهَا. وَلَوْ أَوْصَى الذِّمِّيُّ بِثُلُثِ مَالِهِ لِبِيعَةٍ أَوْ لِكَنِيسَةٍ أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا فِي إِصْلاَحِهَا أَوْ أَوْصَى لِبَيْتِ النَّارِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَجَازَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ. [2]
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ كَالْقَتْل وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفُ حُلَفَاءَ لِبَنِى عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -،رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيْلٍ، وَأَصَابُوا مَعَهُ الْعَضْبَاءَ، فَأَتَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ فِي الْوَثَاقِ، قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» فَقَالَ: بِمَ أَخَذْتَنِي، وَبِمَ أَخَذْتَ سَابِقَةَ الْحَاجِّ؟ فَقَالَ: «إِعْظَامًا لِذَلِكَ أَخَذْتُكَ بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكَ ثَقِيفَ» ،ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَحِيمًا رَقِيقًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ، قَالَ: «لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ» ،ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟» قَالَ: إِنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي، وَظَمْآنُ فَأَسْقِنِي، قَالَ: «هَذِهِ حَاجَتُكَ» ،فَفُدِيَ
(1) - الحاوي الكبير للماوردي 9/ 385 ط. دار الفكر، والفتاوى الهندية 2/ 353،والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/ 78،وكشاف القناع 4/ 245.
(2) - مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (4/ 68) ،والحاوي الكبير 10/ 16،والحطاب 6/ 365،والخرشي 8/ 171،والشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه 4/ 585،وكشاف القناع 4/ 364،وبدائع الصنائع 7/ 341.والمبدع شرح المقنع -دار عالم الكتب (5/ 240)