الرَّابِعُ عَشَرَ: وَمِنْ عُقُوبَاتِهَا: أَنَّهَا تُزِيلُ النِّعَمَ الحَاضِرَةَ، وَتَقْطَعُ النِّعَمَ الوَاصِلَةَ، وَتُحِلُّ النِّقَمَ، فَتُزِيلُ الحَاصِلَ، وَتَمْنَعُ الوَاصِلَ؛ فَكَم أَزَالَتْ مِنْ نِعْمَةٍ، وَكَم جَلَبَتْ مِنْ نِقْمَةٍ، وَكَم أَحَلَّتْ مِنْ مَذَلَّةٍ وَبَلِيَّةٍ؟!
فَمَا زَالَت عَنِ العَبدِ نِعمَةٌ إِلَّا بِذَنبٍ، وَلَا حَلَّت بِهِ نِقمَةٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، فَإِنَّ نِعَمَ اللّاهِ مَا حُفِظَ مَوْجُودُهَا بِمِثْلِ طَاعَتِهِ، وَلَا اسْتُجْلِبَ مَفْقُودُهَا بِمِثْلِ طَاعَتِهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللّاهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللّاهُ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا وَآفَةً: سَبَبًا يَجْلِبُهُ، وَآفَةً تُبْطِلُهُ؛ فَجَعَلَ أَسْبَابَ نِعَمِهِ الجَالِبَةَ لَهَا طَاعَتَهُ، وَآفَاتِهَا المَانِعَةَ مِنْهَا مَعْصِيَتَهُ؛ فَإِذَا أَرَادَ اللّاهُ حِفْظَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ أَلْهَمَهُ رِعَايَتَهَا بِطَاعَتِهِ فِيهَا، وَإِذَا أَرَادَ زَوَالَهَا عَنْهُ خَذَلَهُ حَتَّى عَصَاهُ بِهَا. وَمِنَ العَجَبِ عِلْمُ العَبْدِ بِذَلِكَ مُشَاهَدَةً فِي نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ، وَسَمَاعًا لِمَا غَابَ عَنْهُ مِنْ أَخْبَارِ مَنْ أُزِيلَتْ نِعَمُ اللّاهِ عَنْهُم بِمَعَاصِيهِ، وَهُوَ مُقيمٌ عَلَى مَعْصِيَةِ اللّاهِ.
وَكَأَنَّ هَذَا أَمْرٌ جَارٍ عَلَى النَّاسِ لَا عَلَيْهِ، وَوَاصِلٌ إِلَى الخَلْقِ لَا إِلَيْهِ. فَأَيُّ جَهْلٍ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا؟! وَأَيُّ ظُلْمٍ لِلنَّفْسِ فَوْقَ هَذَا؟!
«فَمَا حَصَلَ لِلعَبْدِ حَالٌ مَكْرُوهَةٌ قَطُّ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللّاهُ عَنْهُ أَكْثَرُ» [1] .
قَالَ تَعَالَى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير} [الشورى: 30] .
(1) ... «مدارج السالكين» (1/321) ، و «تهذيب المدارج» (1/360) .