فَيَا لَهَا مِنْ مُصِيبَةٍ مَا أَعْظَمَهَا؟ وَخَسَارَةٍ مَا أَكْبَرَهَا؟ بُلِيَ بِهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَصَادَ بِهَا الشَّيْطَانُ الخَلْقَ الكَثِيرَ، وَالجَمَّ الغَفَيرَ.
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ، فَاصْنَع مَا شِئْتَ» [1] .
وَالمَعْنَى: أَنَّ الرَّادِعَ عَنِ القَبِيحِ إنَّمَا هُوَ الحَيَاءُ، فَمَنْ لَمْ يَسْتَحِ فَإِنَّهُ يَصْنَعُ مَا شَاءَ.
فَالحَيَاءُ هُوَ الحَائِلُ بَيْنَ الإِقْدَامِ عَلَى المَعْصِيَةِ وَالإِمْسَاكِ عَنْهَا، وَأَنَّهُ كَالسَّدِّ إِذَا تَحَطَّمَ انْهَمَرَ المَاءُ يُغْرِقُُ كُلَّ شَيْءٍ، فَالَّذِي لَا حَيَاءَ لَهُ لَا سَدَّ عِنْدَهُ، فَهَذَا لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ مِنَ الإِقْدَامِ عَلَى المَعْصِيَةِ لِيَفْعَلَهَا، وَلَا يَرَى بِهَا بَأْسًا.
وَقَالَ القَائِلُ:
وَرُبَّ قَبِيحَةٍ مَا حَالَ بَيْنِي ... ... وَبَيْنَ رُكُوبِهَا إِلَّا الحَيَاءُ
فَكَانَ هُوَ الدَّوَاءَ لَهَا وَلَكِن ... ... إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ فَلَا دَوَاءُ
وَلِلّاهِ دَرُّ القَائِلِ:
إِذَا لَمْ تَخْشَ عَاقِبَةَ اللَّيَالِي ... ... وَلَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا تَشَاءُ
فَلَا وَاللّاهِ مَا فِي العَيْشِ خَيْرٌ ... ... وَلَا الدُّنيَا إِذَا ذَهَبَ الحَيَاءُ
يَعِيشُ المَرْءُ مَا اسْتَحْيَى بِخَيرٍ ... ... وَيَبْقَى العُودُ مَا بَقِيَ اللِّحَاءُ
يَبْقَى العُودُ غَضًّا طَرِيًّا مَا بَقِيَتِ القِشْرَةُ الخَضْرَاءُ، فَإِنْ سَقَطَتْ فَقَد آذَنَتْ حَيَاتُهُ بِالضُّمُورِ.
(1) ... رواه البخاري (6120) .