أما التاريخ الأوربي فهو - من غير تبرئة لليهود - سلسلة طويلة من الاضطهاد لليهود يصعب حصرها، بل يصعب فهم بعضها أو التصديق به، فبالإضافة إلى العداوة المتأصلة والحملات المستمرة التي يشنها بابوات روما نجد أن"لوثر"- المتأثر باليهودية في دعوته - قد أوصى أتباعه آخر عمره بإحراق الأحياء اليهودية في ألمانيا!! الأمر الذي جعل بعض الباحثين يعتبر المحرقة النازية امتدادًا للاضطهاد البروتستنتي. دع الكاثوليكي!! [1]
لقد كانت المجامع الكنسية والبابوات والأساقفة من كل مذهب يتسابقون - لتأكيد إيمانهم وتقواهم - في فرض القوانين لمعاقبة اليهود وحرمانهم وحرمان من يتعامل معهم من النصارى، حتى نشأ في كل بلد أو كنيسة جماعات جعلت عبادتها الوحيدة إحراق اليهود إلا أن يتنصروا، حدث ذلك في فرنسا وأسبانيا وألمانيا وغيرها، أما حين وقع الوباء الرهيب (الذي سمّوه: الأسود) فقد اجتاحت أوربا كلها موجات عنيفة من الإبادة لليهود حتى بلغ عدد الجاليات التي أحرقت في منتصف القرن الخامس عشر 510 جاليات. وقدر بعض المؤرخين أن الناجين من هذه المحارق لم يتجاوزا واحدًا من خمسة من اليهود!! [2]
كل ذلك بتهمة أن ذلك الوباء إنما وقع بفعل اليهود"تسميم آبار النصارى"مع أنه شمل العالم كله حينئذ!!
أما محاكم التفتيش وما أنزلته بهم - وبالمسلمين - من الفظائع فهي أشهر من أن تذكر.
والواقع أن الكراهية لليهود ترسخت في أعماق النفسية النصرانية حتى خرجت عن حدود المنطق، وتجردت عن الأسباب - تماما كما عند الطرف الآخر أيضا - ومن الأدلة على ذلك أن معاجم اللغات الأوربية أخرجت كلمة"يهودي"عن كونها علمًا على طائفة من الناس لها دينها الخاص، إلى وصف مستغرق لكل معاني الخبث والحقد والخداع والجشع والقذارة، وظهر ذلك في الأدب جليا.
فحين أراد كبير شعراء الإنجليزية"شكسبير"أن يختار بطلا تتمثل فيه هذه الصفات اختاره يهوديا"مسرحية تاجر البندقية"وحين أراد كبير روائيها"تشارل ديكنز"أن يختار أسوأ أنواع التربية وأخبث أنواع الإفساد اختار ممثلها يهوديا أيضا"رواية أوليفر تويست".
ووصل الحال من الكراهية إلى حد أن اليهود أنفسهم أصبحوا يكرهون أنفسهم حدث هذا لكثير من مفكريهم مثل"ماركس"و"فرويد" [ومن قبلهم سبنيوزا] .
وهنا يناسب أن نذكر ما يتميز به الأدب العربي في هذا الشأن فالصفات الذميمة لا تتشخص في عرق ولا دين، بل توضع هي بذاتها ويوصم بها من اتصف بها، من الخلفاء أو الوزراء أو القضاة أو المعلمين أو العامة
(1) انظر قصة الحضارة 26/ 143
(2) المصدر السابق (26/ 149)