قبل الإسلام كان قانون الغاب هو السائد بين الناس، وبمقتضاه يكون الكف عن العدوان ضعفًا يعاب فاعله، وقد هجا شاعر قبيلة فقال:
قُبيّلة لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل
لكن القرآن الذي تربى عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم علّمهم أن القوة في الثبات على الحق {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} .
وفي التحكم في النوازع قال صلى الله عليه وسلم: (( ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) ) [1]
وهكذا أصبح العدل والإحسان والانتصار للمظلوم هي الأسس التي يتركب منها معيار الحكم على المجتمعات.
لقد هاجرت طائفة من المسلمين الأوائل إلى الحبشة هربًا من اضطهاد المشركين فلما عادوا - بعد غياب طويل - سألهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحدثوه بأعجب ما رأوا في تلك البلاد فقالوا:
(( يا رسول الله: بينما نحن جلوس مرت علينا عجوز من عجائزهم تحمل على رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم فجعل إحدى يديه بين كتفيها ثم دفعها على ركبتها، فانكسرت قلتها، فلما ارتفعت(قامت) التفتت إليه ثم قالت: ستعلم ياغُدَر إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، وتكلمت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون - فسوف تعلم أمري وأمرك عنده غدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صَدَقتْ ثم صدقت! كيف يقدّس الله قوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم )) [2]
هل كان عدد الجماجم البشرية التي قامت عليها (الإمبراطورية الرومانية المعاصرة) من الهنود والمستعبدين عشرة ملايين أو عشرين؟
وإذا أضفنا من هلك من المستعبدين في الطريق أو أثناء اصطيادهم فهل يبلغون 40مليونًا أو 100مليون؟
تختلف التقديرات. ونحن لا يهمنا الرقم لذاته فإن كتاب الله تعالى قد قرر حكمًا قاطعًا أنه من قتل نفسًا واحدة بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا!!
إن العذر الجاهز لدى الأمريكيين عن هذه الفظائع الهائلة هو أن بعض الأمريكيين دعا إلى تحرير العبيد وحارب دعاة الرق وانتصر في النهاية.
ويغالطون عمدًا في تفسير دوافع التحرير!
(1) متفق عليه
(2) ورد عن عدد من الصحابة منهم جابر - رضي الله عنه - وهذا لفظ روايته عند ابن حبان.