الصفحة 11 من 26

وأنت ترى زيد بن ثابت عندما جمع القرآن الكريم لا يأخذ الآية من لسان صحابي واحد حتى يعضده على الأقل ثم مما كتب فيه ورقاع ولخاف وجريد ويقارن ويضبط وهو أول من سنّ منهج التحقيق العلمي في إخراج كتاب ما.

وأيضًا كتبة الوحي الذين جعلهم النبي صلى الله عليه وسلم لكتاب القرآن الكريم فقط، ونهاهم أن يكتبوا شيئًا غير القرآن.

كل هذا النقل معارض قوي للاحتمال الضعيف المحتمل لما أراد أن يثبته هذا المجهول الجهول.

وأيضًا هذا الحديث الذي أورده لم يستدل به أحد من الأئمة على ما أراد أن يستدل هو عليه. فتجد البخاري استدل به على قبول شهادة الأعمى على ما يستدل به ويعرف من أصوات، وأورده الإمام مسلم في صحيحه في سياق فضائل القرآن الكريم. وبوّب له النووي على مسلم: (باب الأمر بتعهد القرآن وكراهة قوله نسيت كذا وجواز قوله أنيستها) . وفي شرحه مسلم نقل كلام القاضي عياض صاحب الشفاء في موضعين: في موضع سجود السهو وفي الموضع هذا بقوله: قال القاضي عياض ـ رحمه الله:

"جمهور المحققين جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم ابتداء فيما ليس طريقة البلاغ"أ.هـ. فهو صلى الله عليه وسلم نزلت عليه الآيات وبلغها كما نزلت وكتبها كتبة الوحي وحفظها الحفظة الذين كانوا قد شغفوا به صلى الله عليه وسلم وبكل ما يخرج من فيه من آيات وأحاديث. وهذا فهم السلف لمثل هذه الأحاديث ولا أعلم أحدًا منهم فهم منها ما فهمه هذا المجهول لسقم عقله وكثافة طبعه وغلظ حجابه.

وفي (عون المعبود) في الكلام على ذلك الموضع. قال العلماء: ويجوز النسيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ليس طريقة البلاغ والتعليم. قاله عياض والنووي وابن حجر ـ رحمهم الله -.

ورأيت من المناسب أن آتي بما أورده تلو هذه الشبهة من قوله تعالى:

(سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله) .

قلت: سبحان الله ... أتى بما يساند ضد رأيه ويعضد قولنا. فعندما ترجع لتفسير هذه الآية تجد في قوله: { إلا ما شاء الله } ثلاثة أقوال رجح الطبري أحدها وبه أخذ ابن كثير ومال إليه القرطبي.

قال ابن كثير: وقوله (سنقرئك) يا محمد (فلاتنسى) وهذا إخبار من الله ووعد منه له بأنه سيقرئه قراءة لا ينساها. (إلا ما شاء الله) وهذا اختيار ابن جرير وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينسى شيئًا إلا ما شاء الله. أهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت