بإسناده عن ابن عبّاس"الرّحمن على العرش استوى: استولى على جميع بريّته، فلا يخلُو منهُ مكان". فالجواب أنّ هذا حديث مُنكر ونقلته مجهُولُون ضُعفاء، وهُم لا يقبلُون أخبار الآحاد العُدُول. فكيف يسُوغ لهُم الاحتجاج بمثل هذا من الحديث، لو عقلُوا أو أنصفُوا أما سمعُوا اللّه عزّ وجلّ يقُول {وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلّي أبلُغ الأسباب أسباب السّماوات فأطّلع إلى إله مُوسى وإنّي لأظُنّهُ كاذبًا} فدلّ على أنّ مُوسى كان يقُول إلهي في السّماء، وفرعون يظُنّهُ كاذبًا. وقال أُميّة بن أبي الصّلت: فسُبحان من لا يُقدّر الخلق قدره ومن هُو فوق العرش فرد مُوحّد مليك على عرش السّماء مُهيمن لعزّته تعنُو الوُجُوه وتسجُد قال أبُو عُمر بن عبد البرّ وإن احتجُّوا بقوله تعالى {وهُو الّذي في السّماء إله وفي الأرض إله} وبقوله {وهُو اللّه في السّماوات وفي الأرض} وبقوله {ما يكُون من نجوى ثلاثة إلّا هُو رابعهم} الآية. قيل لهُم لا خلاف بيننا وبينكُم وبين سائر الأُمّة: أنّهُ سُبحانه ليس في الأرض دُون السّماء. فوجب حمل هذه الآية على المعنى الصّحيح المُجمع عليه. وذلك أنّهُ سُبحانه في السّماء إله معبُود من أهل السّماء، وأنّهُ سُبحانه في الأرض إله معبُود مُستحقّ للعبادة من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتّفسير وظاهر التّنزيل يشهد أنّهُ على العرش. والاختلاف في ذلك ساقط. وأسعد النّاس به من ساعدهُ الظّاهر. وأمّا قوله {وفي الأرض إله} فالإجماع والاتّفاق قد بيّن المُراد: أنّهُ معبُود من أهل الأرض. فتدبّر هذا فإنّهُ قاطع. ومن الحُجّة أيضًا على أنّهُ تبارك وتعالى على العرش فوق السّماوات: أنّ المُوحّدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهُم أمر، أو نزلت بهم شدّة، رفعُوا أيديهم ووُجُوههم إلى السّماء، فيستغيثُون ربّهم تبارك وتعالى. وهذا أشهر عند العامّة والخاصّة من أن يُحتاج فيه إلى أكثر من حكايته ; لأنّهُ اضطرار لم يُوقفهُم عليه أحد ولا أنكرهُ عليهم مُسلم. وقد قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم للأمة الّتي أراد مولاها عتقها. فاختبرها رسُول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ليعلم إن كانت مُؤمنة أم لا. فقال لها"أين اللّه فأشارت إلى السّماء، ثُمّ قال لها: من أنا قالت: رسُول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. قال: اعتقها فإنّها مُؤمنة". فاكتفى رسُول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم برفعها رأسها إلى السّماء، واستغنى بذلك عمّا