السّماء فمعناهُ من على السّماء، يعني على العرش، وقد تكُون"في"بمعنى"على"ألا ترى إلى قوله تعالى {فسيحُوا في الأرض} أي على الأرض. وكذلك قوله {لأُصلّبنّكُم في جُذُوع النّخل} أي على جُذُوع النّخل. وهذا كُلّه يُعضّدهُ قوله تعالى {تعرُج الملائكة والرُّوح إليه} وما كان مثله ممّا تلونا من الآيات في هذا الباب. فهذه الآيات وغيرها كُلّها واضحة في إبطال قول المُعتزلة. وأمّا ادّعاؤُهُم المجاز في الاستواء، وقولهم"استوى"بمعنى استولى. فلا معنى لهُ. لأنّهُ غير ظاهر في اللُّغة. ومعنى الاستيلاء في اللُّغة المُغالبة. واللّه لا يغلبهُ ولا يعلُوهُ أحد. وهُو الواحد الصّمد. ومن حقّ الكلام أن يُحمل على حقيقته، حتّى يكُون اتّفاق من الأُمّة أنّهُ أُريد به المجاز إذ لا سبيل إلى اتّباع ما أُنزل إلينا من ربّنا إلّا على ذلك وإنّما يُوجّه كلام اللّه إلى الأشهر والأظهر من وُجُوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب لهُ التّسليم. ولو ساغ ادّعاء المجاز لكُلّ مُدّعٍ ما ثبت شيء من العبادات. وجلّ اللّه أن يُخاطب عباده في كتابه العربيّ إلّا بما يفهمهُ العرب في معهُود مُخاطبتها ممّا يصحّ معناهُ عند السّامعين. والاستواء في اللُّغة معلُوم مفهُوم، وهُو العُلُوّ والارتفاع على الشّيء، والاستقرار والتّمكُّن فيه. قال أبُو عُبيدة: في قوله تعالى {استوى} قال: علا. وتقُول العرب: استويت فوق الدّابّة، واستويت فوق البيت. قال أبُو عمرو: الاستقرار في العُلُوّ. وبهذا خاطبنا عزّ وجلّ في كتابه. فقال {لتستوُوا على ظُهُوره ثُمّ تذكُرُوا نعمة ربّكُم إذا استويتُم عليه} وقال {واستوت على الجُوديّ} وقال {فإذا استويت أنت ومن معك على الفُلك} . وقال الشّاعر: فأوردتهم مأسفًا قعره وقد حلّق النّجم اليمانيّ فاستوى وهذا لا يجُوز أن يتأوّل فيه أحد أنّ معناهُ: استولى لأنّ النّجم لا يستولي. وقد ذكر النّضر بن شُميلٍ - وكان ثقة مأمُونًا جليلًا في علم الدّيانة واللُّغة - قال حدّثني الخليل - وحسبك بالخليل - قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابيّ - وكان من أعلم من رأيت - فإذا هُو على سطح، فسلّمنا، فردّ علينا السّلام، وقال لنا: استوُوا. فبقينا مُتحيّرين. ولم نُدرك ما قال. فقال لنا أعرابيّ إلى جنبه: أمركُم أن ترتفعُوا. قال الخليل: هُو من قول اللّه عزّ وجلّ {ثُمّ استوى إلى السّماء وهي دُخان} فصعدنا إليه. وأمّا من نزع منهُم بحديث عبد اللّه بن واقد الواسطيّ