ثم انه قد غاب عن الأذهان أن الفعل لا ينسخ القول، بل ان من زعم النسخ لا يستطيع أن يدافع عن شبهة خطيرة، وهي لو لم يرتقي ابن عمر، أو يشاهد جابر فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما نقل الينا الخلاف، فيكون عمل الأمة جميعا على الحديث المنسوخ، وهذا باطل بين البطلان.
وذهب فريق ثالث، وهو أعدل الأقوال وأحكمها الى التفريق بين قضاء الحاجة في الخلاء، وبين قضائها في البنيان، فمنعوا الأول، وأجازوا الأخير.
قال الشافعي (3) : كان القوم عربا، انما عامة مذاهبهم في الصحاري، وكثير من مذاهبهم لا حش فيها يسترهم، فكان الذاهب لحاجته اذا استقبل القبلة أو استدبرها استقبل المصلي بفرجه أو استدبره، ولم يكن عليهم ضرورة في أي بشرقوا أو يغربوا، فأمروا بذلك. وكانت البيوت مخالفة للصحراء فاذا كان بين اظهرها كان من فيه مستترا لا يراه الا من دخل أو أشرف عليه، وكان المذاهب بين المنازل متضايقة لا يمكن من التحرف فيها ما يمكن في الصحراء، فلما ذكر ابن عمر ما رأى من رسول الله من استقباله بيت المقدس، وهو حينئذ مستدبر الكعبة دل على أنه انما نهى عن استقبال الكعبة واستدبارها في الصحراء دون المنازل.
(5) هو الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي الهمذاني. الامام، الحجة الناقد، النسابة البارع، له مصنفات مشهورة منها"الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار"توفي سنة (584هـ/1188م) .
انظر ترجمته: ابن المستوفي - تاريخ اربل: 1/ 122 - 123، تحقيق: سامي الصفار، منشورات وزارة الثقافة - العراق 1980م، والمنذري - التكملة لوفيات النقلة: 1/ 89 - 92، وابن خلكان - وفيات الأعيان: 4/ 494 - 495، الذهبي - تذكرة الحفاظ: 4/ 4/1463 سير أعلام النبلاء: 21/ 167 - 172.
(1) اخبار أهل الرسوخ:34.
(2) المجموع: 2/ 83، وانظر ما قبلها أيضا.
(3) اختلاف الحديث: 164.
وقد صح ابن عبد البر هذا الرأي وارتضاه فقال (4) : "والصحح عندنا الذي يذهب اليه ما قاله مالك وأصحابه، والشافعي لأن في ذلك استعمال السنن على وجوهها الممكنة فيها دون رد شيء ثابت منها.
وهو من أسلم الأداء وأحكمها، ويؤيده ما نقل عن مروان الأًغر قال (5) : "رأيت ابن عمر أناخ