فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 36

قوله: (المتصل الإسناد من) .

(من) هنا بمعنى البداية، تقول: ذهبت من هذا المكان إلى ذلك المكان، أي: كان ذهابي من هذا المكان إلى ذلك المكان. وهذا المعنى مرعيٌ هنا في قول الناظم: (من راويه حتى المصطفى) ، إِذْ إِنَّ بداية الاتصال تكون من راوي الحديث إلى أن ينتهي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: (حتى) بمعنى الغاية، فهي بمعنى (إلى) فهما من حيث المعنى سواء، فيكون المعنى: لابد من شرط اتصال السند فيه من راويه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: (المصطفى) اسم مفعول من الاصطفاء وهو الاختيار، تقول: اصطفيت من الكنانةِ سهمًا مريّشًا إذا اخترت من بين أسهم الكنانة سهمًا تذوقته؛ لأنه كان مريَّشًا، فالمعنى هنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مصطفىً من الله - عز وجل -، فهو خيارٌ من خيارٍ من خيار.

قوله: (ولم يبن) أي: لم يقع فيه انفصال في سنده بحيث يحكمُ بانقطاعه، فكلمة (يبن) من البينونة وهي ضد الاتصال. تقول: ثمة بينونةٌ بين هذا الجدار وذاك، أي: ثمت انفصال بينهما.

واعلم رحمك الله أن الْمُحَدِّثِينَ يرحمهم الله قد اختلفت كلمتهم في ضبط الحديث المسند، وأولاها وأحسنها ما قاله الحافظ ابن حجر يرحمه الله - كما في» نكته على مقدمة ابن الصلاح «- حيث ضَبَطَ الحديث المسند بقوله: ''هو من سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون ظاهر السند الاتصال ''. ففيه قيود:

-أولها: أن يسمع ذلك الإنسانُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثه؛ إِذْ إِنَّ ضد السماع: عدمه، ومن عدمه أن يَرى ذلك الصحابيُّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - حال كفره - مثلًا - دون أن يسمع منه شيئًا. وهو حال معروف لكثير من الصحابة.

-وثانيها: أن يُعْزَى الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الحافظ: وهي غالب المسانيد، أي: أن غالب المسانيد تكون معزوَّة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويصح تسمية الحديث الذي اتصل سنده بأنه حديث مسند في استعمال قلة.

-وثالثها: أن يكون ظاهر السند الاتصال.

وفرقٌ بين الحكم على السند بأن ظاهره الاتصال، وبين أن السند متصل مطلقًا. فالحكم عليه بأنه متصل مطلقًا أي: لا وجود للانفصال ولا الانقطاع - سواء كان انقطاعًا جليًا أو خفيًا - في السند.

وأما الحكم على السند بأن ظاهره الاتصال فمعناه: أنه حُكْمٌ على السند بأنه لا تواجد للانقطاع الجلي فيه؛ ولكن ربما وقع فيه انقطاع خفي.

ومن أمثلة الانقطاع الخفي: ما يسمى بعنعنة المدلس وأنأنته، فإذا وُصُف راوٍ من الرواة بأنه مُدَلِّس فحدَّث بحديث وعنعن عن شيخه: فإن حديثه يكون منقطعًا انقطاعًا خفيًا وإن كان في ظاهره أنه متصل؛ لأنه روى عن شيخ له.

ومن أمثلته أيْضًا: ما يسمى بالإرسال الخفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت