وليُعْلَمْ أن الْمُحَدِّثِينَ لذكرهم في الضبط إنما يقصدون ضبط اللفظ واللغة لا ضبط المعنى، وقد أشار إلى ذلك ابن الأثير يرحمه الله - كما في أول» جامع الأصول «له - حيث قال: ''الضبط عند الناس ضبطان ''.
-الأول: ضبط ظاهر، وهو: ضبط معناه من حيث اللغة - أي: حفظ الشيء وأداؤه من حيث لفظه ولغته -.
-والثاني: ضبط باطن، وهو: ضبط معناه من حيث تعلق الحكم الشرعي به - أي: تأدية الشيء من حيث الحكم بحيث يأتي الحكم صوابًا. والأول عليه أكثر الْمُحَدِّثِينَ'' كذا قوله رحمه الله.
وليُعْلَمْ أن الضبط ضبطان:
-الأول: ضبط صدر، وهو: أن يستظهر الراوي محفوظاته ومروياته في فؤاده وجوفه، وهذا المعنى يُشْتَرَط فيه السلامة من آفات الضبط للصدر لكي لا ينتابه غفلة، ولا يختلط الراوي، وما إلى ذلك من الآفات.
-والثاني: ضبط كتاب، وهو أن يكتب الراوي محفوظاته في كتاب يَجْمَع فيه مروياته ومحفوظاته، ويحفظ كتابه من الأيدي العابثة أو أهل التصحيف حتى يؤدي ما فيه سليمًا.
فهذان نوعا الضبط عند الْمُحَدِّثِينَ. وكلامهم في الجملة إنما هو في ضبط اللفظ لا في ضبط الحكم وهو ما يسميه ابن الأثير: ضبط الظاهر.
قوله: (مُعْتمَدٌ في ضَبْطِهِ وَنقْلِهِ) .
قوله: (مُعْتَمَد) أي عليه الاعتماد في ضبطه ونقله.
قوله: (ضبطه) ، الضبط سبق بيانه.
قوله: (ونقله) ، النقل هو الإخبار، تقول: نقلت إلى فلان كذا، أي: أخبرته به. وأصل النقل: أخذ شيء من محل إلى آخر كما ذكره صاحب» مقاييس اللغة «.
وقول الناظم: (مُعْتمَدٌ في ضَبْطِهِ وَنقْلِهِ) إنما أتى بها لعلل:
-أولها: التأكيد على المعنى السابق وهو شرطية الضبط؛ إِذْ إِنَّه من باب التأكيد والتقرير. وباب التأكيد والتقرير يذكره المصنفون وأهل العلم وغيرهم من أرباب العلوم وله فائدة وهو تقرير الشيء وتأكيده، وهو معروف.
-وثانيها: دفع ما قد ينتاب قارئ النظم من أن الضبط قد يكون متساهلًا فيه، فلابد أن يكون الضبط من قِبَلِ الراوي عليه الاعتماد وإلا لما كان ضبطه ضبط رجال الحديث الصحيح؛ وذلك أن الناظم رحمه الله تعالى عنى الحديث الصحيح لذاته.
والحديث الصحيح لذاته: ضبط راويه يجب أن يكون تامًا؛ إِذْ إِنَّ الضبط المتعلق في الرواة من حيث قبول ضبطهم وعدمه لا يخرج عن أحد صنفين:
••أولهما: ضبط تام كامل، وذلك بأن يوصف صاحبه بأنه جبل في الحفظ، ثقة، ضابط، حافظ، إمام،