المهربات الحربية
إن بحث المهربات الحربية يرتبط ببحث أحكام الحياد لأن المهربات هي في الأصل أموال المحايدين فإن كانت مملوكة لعدو جاز ضبطها باعتبارها مالًا معاديًا بصرف النظر عن صفتها مهربات حربية.
والحياد هي حالة الدولة التي لا تدخل في حرب وتعامل الطرفين المتحاربين معاملة واحدة.
وحقوق المحايدين ليست ثابتة على حالة واحدة في كل حرب بل تتغير تبعًا لنسبة قوة المحايدين للمحاربين إذ يجب على المحايدين تأييد حقوقهم بالقوة أو يفقدونها، والمحاربون الأقوياء يضيقون باستمرار من نطاق الحياد مراعاة لمصالحهم الحربية.
وفي العصور الوسطى حين كانت الحروب تثار لأسباب دينية ولأسباب يعتبر بعضها مشروعًا أو غير مشروع كان رجال الدين في إسبانيا يفرقون بين حقوق المحايدين في الحروب المشروعة Juste وفي الحروب غير المشروعة، وبعد نشوء فكرة سيادة الدولة انعدمت هذه التفرقة وتوحدت أحكام الحيدة في كل الحروب.
فلما انتهت حرب سنة 1914 بإنشاء عصبة الأمم التي حرمت الحروب العدوانية وأوجبت على أعضاء جمعية الأمم مقاومة المعتدي أصبحت بعض الحروب بحكم عهدة عصبة الأمم مباحة Licite وبعضها غير مباح فأصبحت الحيدة مشربة بروح التعاون مع المحارب المدافع وبروح المقاومة ضد المحارب المعتدي، فلم تكن الحيدة إذن حالة ثابتة.
وفي الحرب العالمية الثانية ضعفت حالة الحياد وضاقت حقوق المحايدين لعظم قوة الحلفاء واشتراك عدد كبير منهم ضد الألمان وحلفائهم فخضع المحايدون لقيود ما كانوا يخضعون لها من قبل فقيدت وارداتهم وأجبروا على تموين الحلفاء وحدهم وعلى العموم نظمت التجارة الدولية على المنوال الذي فرضه الحلفاء.
وكانت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر أكبر الدول المحايدة لعدم تدخلها في الحروب الأوروبية فكانت زعيمة المحايدين المطالبة بحقوقهم، وكانت تحمي حقوق المحايدين بشدة في أول الحربين العالميين وهي محايدة ثم انقلبت ضد هذه الحقوق بعينها بعد أن دخلت في الحرب.
ولما كانت حالة الحياد تتعلق في هذا الخصوص بالتجارة البحرية فيمكن تلخيصها في كلمتي (حرية البحار) .
ومعنى عبارة حرية البحار ترك طرقها الواسعة حرة لتجارة المحايدين فيما بينهم ومع المحاربين.
ولحماية هذا الحق ذهبت الدول الكبرى إلى حد تحديد القوى البحرية لكل منها في مؤتمرات تحديد السلاح البحري كما حصل في مؤتمر واشنطن في سنة 1922 وما تلاها من مؤتمرات في جنيف.
ومهما يكن العرف الدولي والمعاهدات والقوانين الأهلية فالحياد حالة غير ثابتة تتأثر وتختلف في كل حرب عن التي تليها.
ولم تكن حالة الحياد معروفة في اليونان القديمة كحالة ثابتة فمن لا يتدخل في حرب لا يعد على الحياد فإن شاء ساعد أحد المحاربين على الآخر.
وفي تاريخ الرومان إنكار تام لحالة الحياد فهم يعتبرون باقي الأمم إما معهم أو عليهم.
ولم تنبثق فكرة الحياد إلا في العصور الوسطى مع تقدم التجارة البحرية فكان المحارب يمنع التجارة من عدوه وفي ذلك إضعاف لقوة العدو ثم يقوم هو بهذه التجارة مع عدوه ليستفيد منها لبلده.
وكان المحايدون يقاومون ذلك بالقوة، ونتج عن ذلك تفاهم على أن التجارة التي لا تؤثر في الحرب تعتبر جائزة والتي تؤثر في الحرب تمنع وتعتبر مهربات حربية.
وعلى هذه القاعدة كانت علاقة البضائع بالمراكب مقررة بأن المركب المحايد ينقل أموال الأعداء التي لا تعد مهربات حربية ومراكب الأعداء تنقل أموال المحايدين التي لا تعد مهربات حربية.
وفي هذه الأحوال تجوز مصادرة أموال الأعداء على مراكب المحايدين ولا تجوز مصادرة مراكب المحايدين لهذا السبب، ويجوز مصادرة مراكب الأعداء دون أموال المحايدين التي تحملها.
كان هذا حكم نظام قنصلاتو البحر Consulat de la mer المعمول به حتى تصريح باريس سنة 1856.
وفي القرن السادس عشر قويت الدول وحدت من هذه الحقوق فأصدرت فرنسا قوانين قلبت هذه القواعد إذ رجعت إلى فكرة قديمة هي فكرة العدوى المعادية Infection hostile.
فاعتبرت البضائع المعادية تعدي المراكب المحايدة واعتبرت المركب المعادية تعدي البضائع المحايدة فأصبحت أموال المحايدين على مركب الأعداء تصادر ومراكب المحايدين التي تحمل أموال الأعداء تصادر.
وقابل الدول هذه القوانين بمثلها فتأثرت التجارة الدولية وصار المحايدون يتدخلون في الحروب لمصلحتهم وعقدوا مؤتمرات لهذا الغرض في سنة 1691 - 1693، وفي سنة 1800.
وكان الدول أحيانًا تخفف قيودها إذا احتاجت للمحايدين وتشددها إذا استغنت عنهم.
ولم تكن هذه التنظيمات مبنية على قواعد من العدل بل على فائدتها للدول المحاربة - فإنجلترا مثلًا لعظم أسطولها التجاري والبحري كانت تؤيد قواعد قنصلاتو البحر لأن مراكبها تحمل متاجرها ولا تخشى الاعتداء عليها.