وأخيرًا جاءت معاهدة Utreclit في سنة 1713 - 1715 في صالح المحايدين إذ قررت قاعدة بسيطة وهي أن البضائع تتبع المركب، فالبضائع التي على مركب محايد تعتبر محايدة والتي على مركب معادية تعتبر معادية، فنشطت تجارة المحايدين إذ ليس على صاحب المركب أن يبحث عن صفة صاحب البضاعة وأصبحت كل مركب محايد غير معرضة للتفتيش والضبط.
وما زالت الحال رغم ذلك بين جذب ورد إلى ما بعد انتهاء حرب القرم في منتصف القرن التاسع عشر حين عملت معاهدة باريس في 16 إبريل سنة 1856 التي وقعتها أو انضمت إليها كل الدول، والتي تقرر فيها إبطال القرصنة وحمالة الراية المحايدة لأموال الأعداء وحماية أموال المحايدين حتى على مراكب العدو ما عدا المهربات الحربية في كلتا الحالتين.
فأصبحت المركب المحايدة تحمي أموال العدو وأصبحت أموال المحايدين محمية على مراكب العدو، وبذلك تمت حماية تجارة المحايدين بواخرًا وبضائعًا لا قيد عليها إلا في حالتين حالة الحصر البحري وحالة المهربات الحربية، فالحصر البحري هو تحديد جغرافي ضيق تمنع فيه التجارة عمومًا.
الأساس القانون لأحكام المهربات
بينما كانت أحكام المهربات تتغير تارة بالتشديد وتارة بالتخفيف كان ذلك يفسر أو يبني نظريًا على الصيغة القانونية التي تصطبغ بها عملية التهريب هل هي عمل تجاري مباح أو هي جنحة في حق المحاربين؟
فالتشديد يبني على أنها جريمة في حق المحاربين، والتخفيف يبني على أنها عملية مباحة وأكبر أنصار فكرة الجنحة الأستاذ Kleen في كتابين عن أحكام الحياد (1898) ، وعن المهربات (1893) .
ويقوم هذا البحث على بحث الصيغة القانونية لحالة الحياد هل هي حالة ترتبط بها الدول فقط أم يرتبط بها رعايا الدول المحايدة أيضًا.
ولا شك أن الحياد هو علاقة بين الدول المتحاربة وغير المحاربة، فالدولة المحايدة تلتزم واجبات نحو المحاربين فتعاملهم على قدم المساواة وتمتنع عن مساعدة أحدهم أو تسهيل أي إجراء لهم يكون من شأنه معاونتهم في المجهود الحربي.
أما أفراد رعايا الدول المحايدة فليس لهم صفة الحياد، إنما هم يخضعون لما تفرضه حكوماتهم عليهم من قيود وتعاقبهم على مخالفاتها.
والدول المحاربة لا تفرض واجبات على رعايا غيرها من الدول، لذلك ترتبط الدول دون الأفراد بحالة الحياد.
فلأفراد رعايا الدول المحايدة حق التعامل مع المحاربين، ويقابل المحاربون هذا الحق بجزاء من قبلهم، فمن اشترك من المحايدين في أعمال حربية أخذ حكم المحارب تمامًا، ومن اشترك في أعمال تجارية فجزاؤه مصادرة أمواله فقط دون توقيع أي عقاب على نفسه، ودون المساس بحياد دولته ودون ترتيب مسؤولية عليها وليس لدولته أن تتدخل لحماية رعاياها الذين يخالفون قواعد الحرب وأحكام الحياد ما دام الجزاء الذي توقعه الدولة المحاربة هو الجزاء المقرر في القانون الدولي، وهو لا يتعدى مصادرة المهربات.
وفي المؤتمر الذي عقده معهد القانون الدولي في باريس في سنة 1894 دافع الأستاذ (كلين) عن نظريته لكن أعضاء المؤتمر ما عدا الأستاذ الإيطالي (بروشا) رفضوها بالإجماع، ثم جاء مؤتمر لاهاي الثاني في سنة 1907 ومؤتمر لوندرة في سنة 1909 فأيدا نظرية أن التهريب عملية تجارية ويترتب على ذلك أن حق المحارب يكون ضد صاحب المركب وصاحب البضاعة فقط وأن هذا لا يسأل إلا إذا كان عالمًا بقيام حالة الحرب، وهذا الشرط الأخير كان مهمًا وقتئذٍ لكن ضعفت أهميته بعد اختراع اللاسلكي.
ويشترط أيضًا أن يقع الضبط على البضاعة المهربة فإن تم التهريب فلا جزاء على المهرب بمعنى أن الباخرة التي حملت مهربات وسلمتها لا تضبط في عودتها.
المهربات الحربية
نظام المهربات الحربية هو نظام وسط بين حق المحايدين في المتاجرة مع المحاربين وبين حق المحاربين في منع كل ما يقوي المجهود الحربي لدى أعدائهم.
وتاريخ المهربات الحربية طويل ثم ليس له أهمية عملية الآن إلا من حيث تقرير قواعده.
وهذه كانت في القرنين السابع عشر والثامن عشر تحدد باتفاقات بين الدول، وفي القرن التاسع عشر أصبح المحاربون يحددون أنواع المهربات بإعلانات من طرفهم فكانوا يتحكمون في تجارة المحايدين، وهؤلاء يلجأون للاحتجاجات السياسية والضغط السياسي من قبل دولهم.
وفي مستقل القرن العشرين رئي الاتفاق على أحكام المهربات الحربية في مؤتمر لاهاي الثاني في سنة 1907 التي نظمت فيه قواعد الحرب البحرية واتفق فيه على إنشاء محكمة غنائم دولية فكان من اللازم الاتفاق على القواعد التي تحكم بمقتضاها، ولذا عقد مؤتمر لوندرة في ديسمبر سنة 1908 وانتهى بتصريح لوندرة في 26 فبراير سنة 1909 الذي حوى قواعد الغنائم في 71 مادة، وقسم المهربات الحربية إلى ثلاث أنواع:
1 -المهربات المطلقة.
2 -المهربات النسبية.
3 -الكشف الحر La liste libre
وهو يحوي البضائع التي لا يجوز اعتبارها مهربات.
فالمهربات المطلقة (م 22) هي الذخائر والأسلحة وما يدخل في صناعتها وملابس العساكر وأدوات الحرب.