فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 6

وَهَلْ مَسَائِلُ الدَّعْوَةِ تَوْقِيفِيةٌ؟ أَمْ لَا.

فِيهِ تَفْصِيلٌ:

فَالوَسِيلَةُ الَّتِي انْعَقَدَ سَبَبُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَتَرَكُوهَا مَعَ القُدْرَةِ عَلَى فِعْلِهَا فَهِيَ وَسِيلَةٌ غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ، وَأَمَّا الوَسِيلَةُ الَّتِي لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَهْدِ الصَّحَابَةِ أَوِ انْعَقَدَ سَبَبُهَا وَلَمْ يُمْكِنْ فِعْلُهَا ... فَلَا بَاسَ بِمُزَاوَلَتِهَا وَمُبَاشَرَتِهَا، وَهَذِهِ الوَسِيلَةُ المَوْجُودَةُ هُنَا وَسِيلَةٌ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الأَشْرِطَةِ الأُخْرَى الَّتِي هِيَ صُوَرٌ حَقِيقِيَّةٌ وَفِيهَا إِصْلَاحٌ ظَاهِرٌ، كَالْحُرُوبِ الوَاقِعَةِ بَيْنَ الشِّيشَانِ وَالرُّوسِ وَالحَرْبِ الفِلَسْطِينِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ أَمْرُهَا أَخَّفُّ بِكَثِيرٍ مِمَّا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ.

وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ سَعَيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسٌ يُعَذَّبُ بِهَا فِي جَهَنَّمَ) ، وَقَدْ (لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُصَوِّرِينَ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ.

وَالَّذِينَ يُخْرِجُونَ النَّصَّ عَنْ عُمُومِهِ، وَيَحْصُرُونَ تَحْرِيمَ التَصَاوِيرِ فِي المَعْبُودَاتِ، فَهَؤلَاءِ يُكَابِرُونَ فِي عُمُومَاتِ الأَدِلَّةِ، وَيُحَاوِلُونَ حَصْرَ العُمُومِ بِالرَايِّ، وَهَذَا خِلَافُ مَا اتَفَقَ عَلَيْهِ الأُصُولِيُّونَ وَالفُقَهَاءُ، مِنْ ضَرُورَةِ الأَخْذِ بِالنَّصِّ العَامِّ حَتَّى يَاتِيَ مَا يُقَيِّدُهُ، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ جَاءَ مَا يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، فَحِينمَا امْتَنَعَ جِبْرِيلُ مِنَ الدُّخُولِ لَمْ تَكُنِ الصُّورَةُ مَنْحُوتَةً وَلَا مَعْبُودَةً، وَمَعَاذَ الله أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ الله، وَقَدْ كَانَتِ الصُّوَرُ يَقِينًَا مِنَ المَرْسُومِ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا يُنْكِرُ هَذَا وَيَقُولُ: (إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ .. ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنْ فَهْمِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.

أَمَّا قَوْلُ زَيْدٍ حِينَ قَالَ: (إِلَّا رَقْمًَا فِي ثَوْبٍ) رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأَحَادِيثِ المُحْكَمَةِ، وَلَا تُرَدُّ بِهِ الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي تَحْرِيمِ التَصْوِيرِ.

وَقَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَقَدْ قِيلَ بِشُذُوذِ الَلفْظَةِ، وَقِيلَ إِنَّ الَلفْظَةَ مُدْرَجَةٌ، وَقِيلَ يُرَادُ بِذَلِكَ مَالَا رُوحَ فِيهِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَا تُعَارَضُ بِهِ الأَحَادِيثُ المُحْكَمَةُ الثَّابِتَةُ فِي تَحْرِيمِ التَصَاوِيرِ، وَقَدْ بَعَثَ النَّبَيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيًَّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ:

(لَا تَدَعْ صُورَةً إِلَّا طَمَسْتَهَا) ، وَإِذَا قُطِعَ الرَاسُ فَلَا صُورَةً؛ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ عَلَى حَدِيثِ: (إِلَّا رَقْمًَا فِي ثَوْبٍ) ، أَيْ: الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ خَلْقٌ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (حِينَ مَزَّقَ النَمَارِقَ وَلَمْ يَبْقَ مَعْ ذَلِكَ خَلْقٌ) .

وَأَكْثَرُ العُلَمَاءِ يَرَوْنَ أَنَّ الصُّورَةَ الرَاسَ، فَإِذَا زَالَ الرَاسُ فَلَا صُورَةً، وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى إِزَالَةِ الرَاسِ أَنْ تَضَعَ خَطًَّا عَلَى الرَقَبَةِ، هَذَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ، هَذَا مِنْ صَنِيعِ العَامَّةِ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ، فَمَعْنَى إِزَالَةِ الرَاسِ أَنْ لَا يَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ حِينَ تُزَالُ مَلَامِحُهُ مِنَ العَيْنَيْنِ وَالأَنْفِ وَالفَمِّ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مَعَهُ حَيَاةٌ وَلَا يُسَمَّى إِنْسَانًَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المُضَاهَاةِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت