الصفحة 13 من 25

ثم إن البحث المثمر عن حكم مستحدثات الطب والبيولوجيا يقتضي - بعد التقيد بالنصوص القطعية ذات الصلة - الاجتهاد لا التقليد المطلق لما انتهت إليها اجتهادات الفقهاء السابقين ولكن هذا لا يمنع من الاسترشاد بطريقة اجتهادهم لكي نلتزم مثلهم بالقيود الشرعية لاستخراج الأحكام، لأن الاجتهادات فيما اجمل في النصوص يمكن أن تتغير بتغير المعطيات العلمية [1] .

مصدر الحكم الشرعي لمستجدات الهندسة الوراثية:

القاعدة الشرعية المطبقة هنا - وفي جميع وجوه التعامل في المستجدات من التصرفات والأشياء - هي المصلحة المرسلة، أي ما كان فيه منفعة ولم يرد نص خاص بمشروعيته ولا بتحريمه ويندرج تحت عموم النصوص المبيحة ونحوها. وقاعدة المصالح المرسلة دليل شرعي أساسي في المستجدات، وهذه منها، وبقي البحث في الضوابط التي تحول دون وجود ملابسات محرمة تجعل المفاسد غالبة على المصالح المبتغاة ولا سيما أن المفاسد التي قد تقع تؤدي إلى الإخلال بمقاصد الشريعة في واحد من الضروريات الخمس وهو حفظ النسل.

ونحن - المسلمين - حين نتكلم عن الحكم التكليفي طلبًا أو نهيًا لا يفوتنا أن ميادين الهندسة الوراثية خارج حوزتنا، وقد يقتصر نصيبنا منها على المتابعة العلمية .. ومع هذا فالحكم الشرعي يتناول تصرفنا تجاه ذلك .. فلا نقدم على ما حرم فعله ولا نقدم للمخلين بالضوابط الشريعة أي معونة من دعم معنوي أو مادي ولا نتيح لهم اتخاذ بيئتنا ساحة لتجاربهم أو لممارساتهم بعد أن اصبح هذا ميسورًا في عصر العلمنة والهيمنة.

والملحوظ أن أكثر هذه القضايا المطروحة في ظروف المسلمين الحاضرة ليس في الوسع سد ذرائعها بمعالجتها عن طريق الحكم التكليفي القاضي بالطلب أو الكف بل إنها تمثل أمامهم من خلال الواقع بخيره وشره ولابد حينئذ من بحث ما يترتب على ذلك من آثار (وهو ما يسمى بالحكم الوضعي) يقطع النظر عن كون الفعل حلالًا أو حرامًا، ولا يخفي أنه لا تزال أحكام الشريعة هي المطبقة في هذه القضايا في العالم الإسلامي كله لأنها من قطاع الأحوال الشخصية.

(1) المرجع السابق 144 -145 بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت