الصفحة 9 من 25

فمنهج الله لا يشمل الحياة فقط بل يشمل الموت أيضا، فهو منهج ترتبط فيه الدنيا بالآخرة والحياة بالموت والظاهر والباطن ومصالح الدنيا والآخرة في حكم كلي واحد لا تنفصل أحكامه بعضها عن البعض الآخر فهو إسلام لله في الأرض والسماء والدنيا والآخرة والحياة والموت وهو العروة الوثقي لا انفصام لها , ولذا من أصول الاعتقاد التي لا بد أن يعرفها ويؤمن بها كل مسلم , أن دين الله شامل كامل صالح في جميع الأوقات في جميع مشكلات الحياة ونوازلها في أي مكان وزمان فهو عام شامل في الزمان والمكان والإنس والجن 0

قال الله تعالى: {اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (3) (المائدة) {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًي وَرَحْمَةً وَبُشْرَي لِلْمُسْلِمِينَ} (89النحل) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلي اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُون بِاللَّهِ وَاليوْمِ الْآخر

ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) " (النساء) 0"

يقول ابن القيم رحمه الله: إن الله سبحانه قد أتم الدين بنبيه وأكمله به , ولم يحوجه ولا أمته بعده إلي عقل ولا نقل سواه , ولا رأي ولا منام ولا كشوف , وأنكر علي من لم يكتف بالوحي عن غيره , فقال: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَي عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَي لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (51 العنكبوت)

ويقول الأستاذ العلامة سيد قطب(والناس - في أي زمان وفي أي مكان - إما أنهم يحكمون بشريعة الله - دون فتنة عن بعض منها - ويقبلونها ويسلمون بها تسليمًا، فهم إذن في دين الله، وإما إنهم يحكمون بشريعة من صنع البشر - في أي صورة من الصور - ويقبلونها فهم إذن في جاهلية؛ وهم في دين من يحكمون بشريعته، وليسوا بحال في دين الله، والذي لا يبتغى حكم الله يبتغي حكم الجاهلية؛ والذي يرفض شريعة الله يقبل شريعة الجاهلية، ويعيش في الجاهلية0

وهذا مفرق الطريق، يقف الله الناس عليه، وهم بعد ذلك بالخيار! ثم يسألهم سؤال استنكار لابتغائهم حكم الجاهلية؛ وسؤال تقرير لأفضلية حكم الله: {ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون} 0

إنه مفرق الطريق، الذي لا معدى عنده من الاختيار؛ ولا فائدة في المماحكة عنده ولا الجدال، إما إسلام وإما جاهلية، إما إيمان وإما كفر، إما حكم الله وإما حكم الجاهلية) [1] 0

ونقول لدعاة التدرج في تطبيق الشريعة:

1 -منذ نزول آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} المائدةَ (90) - صارت حرامًا وستبقي كذلك إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا يجوز أبدًا لأحد أن يستبيحها أو أن يعود ليحرّمها تدريجيًا كما يدّعي القائلون بالتدرج، لأن زمن الوحي قد انتهي، ولا يجوز للحاكم

(1) 1 / الظلال ج2 ص887 - 905.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت